الصفحة الرئيسية / زوايا / بالزاوية - فادي عزام / العنبر السوري، مهجع اللاعودة.

العنبر السوري، مهجع اللاعودة.

فادي عزام

 

صارحت صديقي الطبيب النفسي الذي يخدم في مشفى ابن سينا عن رغبتي بالكتابة عن العنبر السوري، وإن كان باستطاعته أن يوفر لي زيارة إلى حيث يعمل، حدث ذلك في أواخر التسعينيات يومها كنت غارقا في سذاجة طاهرة حول دور الأدب، وقدرته، وأحاول ملاقاته في المنتصف بين أمان الأغلفة، وقلق الواقع الذي لا أجرؤ على تعريفه والتعرف عليه كما يجب.

حدد لنا الطبيب يوم مناوبته كي نزوره ليلا ليطلعنا على المهاجع والمقيمين من النزلاء، كنت اسمي المرضى في ذلك الوقت ( حلفاء الغيب)بمزيج من الفرح والرهبة،

جهّزنا أنا وصديق عاشق للمسرح أمرنا، ووصلنا المشفى لنجلس في غرفة الطبيب نراقبه وهو يفحص بعض المرضى، ثم نقوم واقفين لنتابع معه جولته على أقسام الرجال، ونمر بجوار مهجع النساء الوحيد، ونتابع لنجالس الرجل الأكثر غرابة في المكان في القسم الاحترازي ( أبو الجدي أو أبو علي ) صنع سجنا داخل القسم يعاقب فيه المرضى الذين يخلون بالأنظمة والقوانين التي استحدثها.

عسكري سابق هوسي بالنظافة والنظام، اختفى في حرب لبنان وعاد ليواجه تهمة الفرار من الجيش، ليكتشف السجانون في تدمر إنه فاقد لنصف الذاكرة ولنصف العقل،فأحالوه إلى مشفى ابن سينا حيث سيقوم لباقي عمره، محتفظا بقدراته المذهلة على تنظيم شؤون المكان.كان النزيل الوحيد الذي لديه القدرة على الخروج والدخول إلى المشفى كيفما شاء.ولأنه لا أحد ينتظره في الخارج، كان القسم الاحترازي عالمه الأكثر أمانا الذي اعتاده وتعود عليه. سجلنا ما تيسر من الانطباعات الطيبة منها والحزينة، وقفلنا راجعين، بغلة من المشاعر والانطباعات التي ستتلاشى تماما بعد أن نكتشف حقيقة مرعبة في جوار.

أخبرنا صديقنا الطبيب المناوب بأمر ( مهجع اللاعودة ) هكذا أسماه وأردف بتحذيرنا بكتمان ما سنراه.
خارج المباني المضاءة، وبعد مسير دقائق وصلنا لبناء في طور التكوين، كما يقال في العامية السورية بناء على العظم.
تدخل من المدخل فتلوح إنارة شاحبة من لمبة تنوس بالأصفر الشحيح. وباب حديدي مغلق لا يشي بأي شيء وراءه.
يرد صوت حارس المهجع من الداخل على مستفسرا، يأمره الطبيب بفتح الباب وتوضيب المهجع، موجها لنا توجيهات صارمة:

– ابقوا ورائي وحين أقول لكم اخرجوا تراجعوا بهدوء.بدت تحذيراته وجديته مبالغاً بها. لكن استمعنا وانتظرنا.

صوت صرير الباب وهو يفتح ترافق مع روائح عفنة بدأت تنبعث من المكان. مزيج من النتن والطعام المتعفن والبراز وانفتح مشهد من الجحيم أمامنا.
الإنارة الشحيحة ذاتها في الداخل، وخيالات تتماوج أمامنا، على الجانبين.

هناك غرفة صغيرة للحارس فيها بعض الأثاث، وعلى اليسار ما يشبه مطبخاً مظلماً، خرجت منه بعض الكائنات اثنان من ثلاثة عراة تماماً وواحد مستورٌ بخرق بالية يدب على أربعة. وحين استقام بعد دقائق من وصولنا، كانت لديه نظرات لن أنساها ما حييت، وجسد مبقع.. وكان عضوه الذكري مقطوعا.

أيقظهم الحارس كي لا يكونوا ورائنا حين ندخل. وبكبل رباعي ساطهم أمامه. مسافة مترين من بين المدخل وبهو المهجع مستطيل الشكل بمساحة حوالي عشرين مترا.

شاهدت أَسرّة بدون فرش فوقها شوادر سميكة، وأكثر من أربعين كائنا معظمهم بلا ملابس. بعظهم انحشر بعيدا هربنا من القادمين، وبعظهم اقترب منابدافع من الفضول المجبول بالترقب.

كانت أرضية المهجع كامخة متيبسة من بقايا الأطعمة والمخلفات البشرية المتراكمة عبر سنوات.

في الوسط كان هناك رجل يتلحف ببطانية ويحمل بيده فردة حذاء، مثل الرجل الوطواط صارم الوجه نصف اصلع وكأن ثعلبة هائلة التهمت شعره من المنتصف، حين اقترب منه حارس المهجع وطلب منه التراجع، بدأ يحرك يده هاويا بالحذاء على الفراغ، شاتما تلك الشتيمة التي سيظل يقولها طوال زيارتنا.

( كس أخت ربكن أخو شرموطة) يدعونه بالدكتور أيمن. طبيب أسنان قام أحد الضباط بإذلاله مرة ثم جاء الضابط نفسه إلى عيادته يوما ليقتلع له ضرس العقل. وبآلة الحفر الشهيرة ثقب الدكتور أيمن فك الضابط وخرج يصيح ( كس أخت …. إلخ ). استضافته المخابرات الجوية سنتين وثم جلبوه إلى هنا. هذه الرواية تحت أخبرنا بها صديقنا لاحقاً من دون أن يستطيع أن يؤكد أي شيء فمعظم وثائق الموجودين في مهجع اللاعودة غير واضحة وخالية من التعريف، باستثناء اللقيط سامي. هكذا يدعونه شاب لم يبلغ العشرين من العمر، عار طوال الوقت. عاش في المشفى ثم نقل مع بداية مراهقته إلى المهجع، يمتلك أطول عضو ذكري عرفه التاريخ، يحمله بين فخذيه كخرطوم فيل. لا يتكلم بل يطلق همهمات أقرب للأصوات البدائية، وحين يكلمه الدكتور بالقول اللقيط سامي كيف حالك؟ فيرهز وينط ويجيب بجسده مومياً، مصدراً أصواتاً مبهمة. اللقيط سامي يخاطب العالم رقصاً بخرطومه!

اقترب رجل يرتدي ملابس، أزاح الجموع غاضباً وقال بصوت عالي مشيراً إلينا:
– دكتور من هدول؟

أجاب الطبيب بهدوء بأننا ضيوف من مركز رعاية جئنا لنتفقد أحوال المرضى.
– دكتور أنت عما تكذب؟ هدول جايبن يتفرجوا علينا؟
– لا أبدا بعدين أنت خلص راح يتم نقلك من هون كم يوم بس لنخلص إجراءات.

حاول الدكتور امتصاص غضبه، وأوعز لنا بالخروج. بدأنا نتحرك أنا وصديقي الكاتب الآخر بحذر وهدوء متراجعين للخلف من دون أن نستدير، كما أوصانا الطبيب قبل الدخول.

كان الدكتور يحاول أن يهدئ الهياج الذي بدأ يتعالى داخل المهجع، مستعينا بالحارس. الذي أخذ يدفش المرضى للخلف بينما هم يتقدمون ككتلة باتجاه الطبيب. ثوان شعرنا خلالها أننا لن نخرج من هنا أبداً، وبدت الخطوات المتبقية إلى باب الخروج وكأنها مسافة ممتدة بلا رجاء، لا تريد أن تنتهي.

صاح الدكتور بهم من يريد الدواء يذهب إلى اليمين. بينما حارس المهجع يلوّح بكيبله الرباعي، متراجعا بسرعة خارجاً يجرنا معه ويقفل الباب.

بقايا الأصوات تأتي من الداخل، الحارس يعمل السوط الرباعي في الأجساد التي شتتها الألم وضجيج عال يمتزج بصوت طبيب الأسنان الوطواطي و نخير اللقيط سامي وصياح الكتلة البشرية التي تهيجت واضطربت وبدأت تطلق أصواتا هستيرية، ونحن متجمدين من الهول الذين شاهدناه قبل قليل!

رويدا انخفضت الأصوات ليبقى صوت الحارس و لسعات كبله:
– يا أخوات المنيوكة كس أختكن عل أخت يالي حطني هون!!
– خراي على حياتي المنتاكة معكم
– يا عرصات ياخروات …يا ..يا..

ثم لفَّ الصمت المكان، تقطعه حشرجات اللقيط سامي.

في غرفة الطبيب المناوب، وأنا أمزق ما كتبته على دفتر ملاحظتي شاعراً أن هذا المكان هو حقيقة حياتي أنا وليس هم ، عاجزاً عن النطق. شرح لنا أن كل واحد من الموجودين في مهجع اللاعودة يحتاج نصف ميزانية المشفى للعلاج. وأنه صهريج ماء يقف بالخارج كل شهرين، يزخهم بالماء ليحظوا ببعض النظافة وأن …

سؤال مُلح خرج مني لصديقي الطبيب المبتلى بسنتين خدمة في هذا الجحيم:
– أنت بلا قلب لو كان فيك ضمير كنت “سممتلهن”، يا أخي اقتلهن. خلصهم من هذا العذاب.كيف تقبل أن تكون طبيبا في مكان كهذا؟

قال لي حرفياً: (بس يجي الشتي سيتكفل بهم حاصداً ثلاثة أرباعهم!)

اليوم أتذكر كل ذلك وأتسأل كيف نجا اللقيط سامي من كل تلك الشتاءات حتى عام 97، في تلك السنة التي زرناه فيها.
يومها تأكد إن ما أملكه من حصيلة الحبر لا يمكن أن يضاهي مبيت ليلة في مهجع اللاعودة.

أيها الشتاء خذ حصتك من لحمنا، واعفنا من الحضور لموسم واحد. كم كنا لا نحتاجك هذا العام.

 

 

اللوحة : مستشفى المجانين لغويا.

عن فادي عزام

فادي عزام
كاتب سوري، صدر له "تحتانيات" نصوص. "سرمدة" رواية ترجمت الى الإنكليزية والألمانية والإيطالية