الصفحة الرئيسية / تجريب / تشابل هيل.. حين يقتُل ضجيجنا الجريمة
المئات في وقفة تضامن مع ضحايا الجريمة

تشابل هيل.. حين يقتُل ضجيجنا الجريمة

تميم هنيدي

 

ما ان انتشر خبر قتل الطلاب الأمريكيين الثلاثة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى بدأ غضب المجتمعات العربية والإسلامية ممّا سمّوه “عدم اهتمام” الإعلام الغربي بالجريمة، وبالطبع فإن السبب يعود برأيهم لكون الضحايا من المسلمين. ولا يمكن النكران هنا أن بعض وسائل الإعلام لم تُعط الخبر حقّه، لكن هذا لا يبرر بدء موجة من الكراهية نُعيد من خلالها قصص المظالم وحكايا التفرقة، كما في كلّ حادثة مشابهة.
الجريمة البشعة التي وقعت في مدينة تشابل هيل بولاية كارولينا الشمالية في العاشر من فبراير أسفرت عن مقتل ثلاثة طلاب على يد مواطن أمريكي، وقد رجّحت الغالبية أن تكون الجريمة بدافع الكراهية الدينية. وكانت الشرطة الأمريكية قد رفضت البت في السبب وراء الجريمة، حتى الإنتهاء من التحقيقات مع القاتل الذي سلّم نفسه للشرطة بعد الجريمة فوراً.
وكما جرت العادة منذ قتل صحافيي تشارلي ايبدو في باريس، سرعان ما يقارن جموع الغاضبين ردة فعل المجتمع الدولي إزاء جريمة باريس بأية جريمة أخرى يكون ضحاياها من العرب أو المسلمين. لكن الحال أن تشارلي ايبدو أعتُبرت رمزاً عالمياً للتعبير عن الرأي، حيث قضى أهم أعمدة الصحيفة أثناء الهجوم الذي برر باعتباره رداً على إهانة الدين الإسلامي. وكانت الغاية من الضجة العالمية الكثيفة إيصال رسالة عالمية للإرهاب بأنه لن ينجح في كمّ الأفواه. ولذلك لم تنل أي جريمة بعدها درجةً مشابهةً من التضامن العالمي، بما في ذلك الجرائم التي لم يكن ضحاياها من المسلمين، كسبي نساء الأيزيديين في العراق أو ذبح الصحفيين الأجانب في سوريا.

هذه المقارنات وهذا الفكر الانطوائي لن يساهم إلا بزيادتنا عزلةً عن المجتمعات التي تشاركنا هذا العالم. فأغلب الجاليات العربية التي أثارت ضجًة واسعًة على هذه الجريمة القبيحة (قتل الطلبة المسلمين) لم يحرّكَ معظمها ساكناً حينما قتل مراهقٌ في انجلترا ضرباً حتى الموت على يد عصابة مخدرات، لمجرد أنهم ظنّوه تابعاً لعصابةٍ أخرى. أو مثلاً حين دخل رجلٌ أمريكي قاعة سينما في ولاية كولورادو الأمريكية عام ٢٠١٢ وقتل أكثر من عشرة أشخاص أثناء العرض الأول لأحد أجزاء فيلم “باتمان”. الأمر الذي إن دلّ على شيء فهو يدل على أن الجاليات العربية في دول الغرب مازالت تعجز على اعتبار نفسها جزءاً من الدول التي تحمل جنسيتها وتقيم فيها منذ عشرات السنين. وهذا بالضرورة سوف يساهم بعدم تقبلهم من قبل المجتمعات الغربية كمواطنين، بل غالباً ما سوف يرونهم كغرباء يحملون الجنسية كوثيقةٍ لتسهيل أمورهم الحياتية.

اليوم، بدل أن ينضم مسلمو الولايات المتحدة الأمريكية المقدر عددهم بثمانية ملايين مواطن أمريكي الى باقي مكونات المجتمع، بحيث يطرحون تساؤلات مهمة على حكومتهم حول السبب في سهولة حصول المواطن الأمريكي على السلاح، أو يتسائلون حول طبيعة السياسات الأمريكية التي يعتبرها البعض استدراجاً لعنف المسلمين والعنف المضاد، تختار تلك الجاليات العربية أن تتكاتف لتجرّد الضحايا الثلاث من وجودهم كمواطنين أمريكيين، أو حتى كخسائر في صفوف الإنسانية العالمية، ليتم حبسهم في دائرة الانتماء الديني الضيقة مما قد يعزل الحدث عن باقي شرائح المجتمع الأمريكي. فجريمة قتل الطلبة كُتب عنها في أهم الصحف العالمية (نيو يورك تايمز، فوكس نيوز، ذي انديبندنت، ذي جارديان يو اس اي توداي..) بالإضافة الى تغطية عالية المستوى من قناة “السي أن أن”. حيث انتشر هاش تاغ (Muslim Lives Matter) بشكلٍ واسع في أمريكا، والذي يعني أن حياة المسلمين مهمة. فما المطلوب من الإعلام فعله غير ذلك؟ وهل اطّلع هؤلاء الأشخاص الذين أعلنوا غضبهم لعدم إكتراث الإعلام الغربي على أيّ من وسائل الإعلام الغربية؟ في ذاكرة الغرب الكثير من مقاطع الفيديو لمواطنيهم وهم يخسرون رؤوسهم على يد أشخاصاً يدعون تطبيق شرائع الإسلام، بغض النظر إن كان هؤلاء يتبعون الإسلام الصحيح أم لا، فالأمور التي يختلف عليها بعض علماء المسلمين أنفسهم حكماً، لن يعرف جوابها المواطن الفرنسي على سبيل المثال. ومع هذا لم تُسجَّل حالات انتقامية ضد المسلمين الذين يقدر عددهم بعشرات الملايين في دول الغرب.

الشعور الدائم بالظُلم والعداء لابد أن ينعكس سلباً على تعايش العرب في مجتمعاتهم الجديدة، فيكفي الطفل المسلم مثلاً أن يُجرّعه أبواه سمّ الشعور بالتفرقة والعنصرية في مجتمعات الغرب، حتى يكونا قد أسهما بشحذ خنجر الكراهية في داخله، ما قد يستثمره بعض المجرمون لاحقاً لمصلحة الإرهاب. عوضاً عن أن تشرح الأسرة العربية لابنها أن السبب في كونهم اختاروا العيش في هذه البلاد، بعيداً عن وطنهم الأم، كان لينعموا بالمساواة وحرية التعبير والدعم الحكومي وتأمين مستقبلٍ أفضل له. عل ذلك يدفعه كي يبادر ببعض الحب لمجتمعه الجديد. وإن كنا لا نستطيع إنكار دور حكومات الغرب في صناعة حاضرنا الأسود، وهذا ما لا يُناقش في هذا النص، تبقى علاقتنا بالمجتمع الغربي ذاته هي النقطة ذات الأهمية ، وكيف نساهم – دونما قصد أحياناً – في زيادة عزلتنا وربما لاحقاً محاربتنا

 

 

الصورة: Getty Images

عن تميم هنيدي

تميم هنيدي
كاتب من سوريا، يكتب في مختلف الصّحف والدّوريّات العربيّة، صدرت له مجموعة قصصيّة بعنوان "ليثيوم"، عن منشورات المتوسط عام ٢٠١٦.