جلنار حاجو - حبر على الورق

لا شيء يحدث

1

فتحت النافذة، أغلقت النافذة، صنعت شايًا، دخنت، فتحت النافذة، أغلقت النافذة، مسحت الطاولة، دخنت، شربت قهوة، فتحت النافذة، أغلقت النافذة. الشارع بارد وفارغ.

أغنية هيب هوب من التسعينيات تصدح من أحد الشبابيك وسينفونية كلاسيكية أعرفها من أحدها الآخر. أستطيع رؤية شبح دورثي غافية على كرسيها المدولب في عدمها المعتم تحاول أن تنقر على زجاج الحياة ككناري في التسعين من عمره، تبدو كغصن منكسر من هنا، تمنيت لها الموت.

فكّرت، الشارع غريب، ثم استدركت. أنا غريبة. بدا العالم صوفيًا قليلًا، أعرف ما هي الصوفيّة تمامًا، يخطر لي أنها الإستسلام أحيانًا.

بزهد خلعت ثيابي ووقفت عارية أمام المرآة تلمست جسدي فوجدته كاملًا تنقصه رئتان وجناح وقلب فقط، ارتحت.. في المرآة أيضا رأيت دورثي تغفو، من هنا أيضًا تبدو كغصن منكسر، تمنيت لها الموت.

2

الغرفة صغيرة جدًا، كزنزانة فردية للتعذيب. لم أسجن في واحدة، لكني راقبت، أحد أصدقاء والدي المقربين، يلهو شاردًا بحمالة مفاتيحه لدقيقتين وهو يحاول أن يقول مر مر مرحبالأبي، ثم في دقيقتين تاليتين قال وداعًا. عندما ابتعد رأيت بنطاله مبللًا ببقعة كبيرة بين الساقين. عرفت من والدي بعدها، أنه كان معتقل رأيي لخمسة عشر عامًا، قضى منها سبعة في زنزانة فردية، ستة أشهر منها، وقوفًا.. الغرفة ضيقة..

أنا أشعر بالضيق. بدلت مكان الكرسي. قلت، أقدم لك القهوة من هنا فتبدو الغرفة أرحب في صدرك أمام النافذة ثم غيرت رأيي. قلت، أترك الكرسي مكانه، وأضع لك مخدة على الأرض، وأمد شرشفًا فتسهو عن قلة الهواء في جمال الكلمة وأنت تهمس لنفسك شرشف، شرشف، شراشف.. ثم غيرت رأيي.

قلت، أقبّلك أمام المرآة المكسورة فيخدعك ظل العاشقين المائلين فيها، فتفكر: هذه شرفة واسعة. ثم غيرت رأيي.

وقفت في مكاني، وقلت، أعلق حبلين متجاورين من السقف، ونذهب إلى غدنا واضحين ..هكذا يكون كل شيء في مكانه.

3

ذئبٌ يعوي. عادي جدًا الذئاب تعوي. يمشي أحدها في العتمة وهو يزفر الهواء من منخريه “وفف وفف” محركًا التراب الجاف على الأرض الممتلئة بالأعشاب والجذور، ثم يرفع رأسه. رائحةٌ تجعل الدم ينفجر في خصيتيه، يتشمم مرة أخرى، ويدور في مكانه، ينفث الهواء، الحقيقة واضحة لا مواربة فيها. يتحرك الجسد المشدود كوتد من الأنسجة العضلية المحتقنة وينطلق عدوًا بكامل حيوانيته. العين تلمع بمعرفة قديمة والقلب يهدر “بوب بوب، بوب بوب”. يتوقف قليلًا كأنه يسمع صوت قلبه من تحت الماء، يفكر، يستمع فقط. وما حاجة ذئب للأفكار، هو يمتلك أنفًا. ينطلق الحيوان إلى أعلى ثم إلى أعلى، يشك لثانية في أنفه. كيف يشك في أنفه؟ أنا أسمعه وأفكر، ليس حُمقًا أن تكون ذئبًا يعوي وحسب.

عن جفرا سيف الدين

جفرا سيف الدين
كاتبة من سوريا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.