الصفحة الرئيسية / تجريب / نافذة العالم الآخر

نافذة العالم الآخر

كنت أبحث عن شيء أنهي به مللي منذ أن بدأ الأرق يمنعني من النوم في المنزل الذي استأجرته مؤخراً، بعد أن تحول منزلي إلى كومة حجارة. وبعد مرور أكثر من خمسة عشر دقيقة، قررت العودة لممارسة هوايتي القديمة – كتابة الرسائل – والتي أقلعت عنها قبل سنوات، بعد أن قرأ والدي إحدى الرسائل التي شتمت بها عمي وأولاده.
بدأت أكتب رسائل لأشخاص مجهولين كل ليلة، قرابة الساعة الثانية عشر منتصف الليل، ثم أطوي الرسالة بشكل أنيق وأرميها من النافذة المطلة على الشارع، على أمل أن يعثر عليها أحد عمال النظافة. في الليلة الثانية فعلت الأمر ذاته، كتبت رسالة ورميتها من النافذة، بعد أن تأكدت من اختفاء الرسالة الأولى، وبينما كنت أغلق النافذة عثرت على ورقة مطوية بشكل أنيق، كرسائلي تماماً، موضوعة على الحافة. جلست إلى مكتبي وأعدت إشعال الشمعة من جديد، ثم بدأت بقراءة تلك الرسالة التي كانت رداً على رسالتي التي رميتها ليلة أمس.
مضى أسبوعان على تلك الحادثة، وكنّا لا نزال – أنا وذلك الشخص – نتبادل الرسائل. في اليوم الأول من الأسبوع الثالث، كتبت له أن يخبرني عن طبيعة المكان الذي يعيش به، ماذا يفعل، ولأي سبب يرد على رسائلي؟ سألته أيضاً عن اسمه، إلا أنني عدلت عن الفكرة، لأنني لم أكن أريد لتلك التسلية أن تنتهي. في الليلة الثانية وجدت رداً على كل أسئلتي، وكانت كالتالي:
” في البداية، عالمنا غريب بعض الشيء، فعلى سبيل المثال، الشمس هنا لا تُشرق نهائياً، والسماء هنا مائلةٌ إلى البرتقالي الداكن، كما أننا هنا لا نأكل أو نشرب أو نتحدث. لا أحد يعرف الأخر هنا، الأسماء غير معروفة أيضاً، كما أننا لا نموت، لا نعرف لماذا، ولكننا لا نموت. فعلى سبيل المثال، قبل أيام قام أحدهم بطعن شاب بشيء حاد يشبه السكين – السكاكين هنا غير متوفرة – ولكنه لم يمت، حتى أنه لم ينزف دماً، وكان الجرح يلتئم بمجرد خروج ذلك الشيء من جسده، ولم يمت، كما أننا نطلق هنا على الموت صفة ” الحياة “. يقال أن الله هنا إذا أراد معاقبة أحدهم، فإنه يرسله إلى الحياة، يعود حيّاً من جديد.
في الليلة التي تلتها، رميت الرسالة من النافذة كالعادة، ولكنني لم أعثر على رسالته، لم تكن موجودة على الحافة. في البداية ظننت أنها سقطت بفعل الريح، ولذلك خرجت من المنزل حاملاً مصباحاً كهربائياً في يدي، وبدأت بالبحث عن الرسالة، ولكن دون جدوى، وبينما كنت أفتح باب المنزل، سمعت صوت نافذة تُفتح في أحد المنازل، ثم ظهرت منها امرأة سألتني إن كنت قد رأيت أحد ما يمر من هنا. هززت رأسي نافياً دون اكتراث، ودخلت إلى المنزل.
في الليلة الأخيرة، كانت الرسالة التي رميتها في الليلة الماضية قد اختفت، وعلى حافة النافذة لم تكن هناك أية رسالة، وكما فعلت في الليلة الماضية، خرجت من المنزل ووقفت أمام النافذة، وبدأت بالبحث. وحين التفت إلى الوراء، رأيت تلك المرأة تراقبني من نافذتها، وعادت من جديد لتسألني عن ذلك الشخص. اقتربت منها بخوف شديد، وهززت رأسي نافياً. كانت تبلغ من العمر قرابة الخمسين عاماً، على وجهها ثلاث شامات، الأولى أسفل عينها اليمنى، والثانية على خدها الأيسر، والثالثة كانت أسفل شفتيها.
بينما كنت أهم بالمغادرة، سألتها عن ذلك الشخص الذي تسأل عنه، فأخبرتني أنه يأتي كل ليلة قرابة الساعة الواحدة والنصف، يضع على حافة نافذة ذلك المنزل – تشير إلى منزلي – رسالة، ويأخذ أخرى مرمية على الأرض، ثم يأتي لزيارتي.
صمتت قليلاً ثم أضافت: إنه ابني الذي مات منذ عام ونصف بثلاث رصاصات في وجهه.

عن مصطفى ديب

مصطفى ديب
مدون وقاص سوري، مقيم في لبنان.