الصفحة الرئيسية / تجريب / لقد أرسلتَ مُلصقًا

لقد أرسلتَ مُلصقًا

من مجموعة "أمّة الإيموجي". لمصممة الغرافيك ناستيا زيريبكي. العمل الأصلي لإدوارد هوبر
الصورة لا تعبّر عما تحتويه، قد يبدو ما يظهر بها أقرب قليلاً إلى الواقع، بخليط أصواتٍ مُفتقدة.
..
صورة قديمة لي، أنا، أعرف نفسي جيداً، جبهة عريضة يتوسطها منطقةٌ شاسعة من الاحمرار الطبيعي، أنفٌ يُقارن بأنابيب التهوية المركزية لبناءٍ ضخم، حاجبين كشوارع عامة، إنه أنا، أعلم ذلك جيداً ومتأكد منه، حتى نظرتُ مرةً أخرى للصورة لم أكن موجوداً فيها، كانت فقط شجرة.
ـ لم أهتم للأمر كثيراً، هزأت من صناعة ألوان الطباعة الرديئة حتماً، لقد اختفيت بسببها! أعدت الصورة لمكانها وتابعتُ حرقَ الوقتِ كالعادة.
 *
ـ نظرتُ من جديد لاحقاً للصورة، أفتقدُ نفسي بها، لا يوجد ضمن إطارها سوى شجرة و وادٍ كبير، شجرةٌ كنتُ أحتمي بها من ضوء الشمس، بلا ورقةٍ خضراءَ، جذعها أكفاني لأكونَ بمأمنٍ من الشمس.
..
ـ حينها، كانت الشمسُ تغيب عن الغرفةِ لفترةٍ طويلة بجنون، أربعةُ إطاراتٍ تسجنني داخلها كما سجنَتْني صورةٌ مرّة.
ـ كانت الصورة المفضلة لدى جميع من يعرف بأنني حي، بأنني مازلتُ موجوداً هنا بإحدى سواحلِ الكوكب الغبي، حزنتُ فعلاً أنني اختفيتُ، أصبحتُ لاشيءَ فجأةً.
 *
ـ حلَّ صباحٌ آخر، خبرُ وفاة إحدى أساتذتي أول ما يظهر لي في نافذتي الزرقاء على العالم، أرسلتُ ملصقاً حزيناً كالعادة في حالاتٍ مُشابهة، أحدهم نشرَ موسيقا جميلة جداً، إحدى أغاني المراهقة التي لم تبتعد كثيراً بعد، أرسلتُ مُلصقاً مُحبّاً، لم أفهم شيئاً مما تلا آخرٌ من فلسفة وحكي عن حقه في العيش، تعبتُ من البحث عن مُلصقٍ يصور السذاجة المستفزة، ملصقٌ هنا وآخرَ هناك.
ـ خرجتُ من الغرفة لأغلي القهوة وأمارس صباحاً طبيعياً بعد جولة الملصقات الأولى، لم يتعرف عليَّ أحدٌ من شركائي في السكن، الجميع استغربَ وحودي في المنزل وحيداً في غرفتي، سخرتُ قليلاً من ثمالتهم المبكرة وعدتُ بقهوتي إلى الداخل، موسيقى هادئة وظلُّ ضوءٍ صباحي هادئ ورطب، صباحٌ طبيعي، حتى اكتشفت أنني اختفيتُ من صورة أُخرى.
 *
ـ من الممكن حقاً أن يختفي كائنٌ ما، لا تموت، فقط تختفي ويبقى قلبُكَ ينبضُ نفسَ الأشياء، نفس الأحلام الرخيصة، وأُخرى قُتلتْ بهدوءٍ يفوقُ الإختفاء.
..
لا يبدو أسوأ من ذلك حتى الآن ألّا يتعرفُ أحدٌ على مُلصقاتي ورسائلي التي أرميها في العالم الافتراضي هذا.
ـ المنشور الأول، مضحك، ملصقٌ ضاحك، الثاني، ساخر، ملصقٌ ساخر، الثالث الرابع الخامس حتى تلاشى خوفٌ من الأمر قليلاً، انتظرتُ ردَ فعلٍ على المصلقات التي وزعتها في كُل مكان.
ـ خرجتُ مرةً أخرى، مجدداً لم يتعرف علي أحد، رحبوا بي كضيفٍ عادي، يئستُ وعدتُ الى الجُحر لأجدَ ردوداً غريبة من جميع الأصدقاء الإفتراضيين، جميعهم تعاملوا معي كغريبٍ متطفل، لم أجادل أحداً، انسحبتُ بأقل الخسائر الممكنة والتزمت الصمتْ.
*
ـ لم أحتمل كوني اختفيتُ بهذهِ البساطة، تمنيتُ مراتٍ عديدة أن أختفي، فقط أختفي وأتخلصُ من نفسي بسهولةٍ وبساطة، لكن ليس الآن، تحسستُ نفسي جيداً، ما زلتُ موجوداً، كاملاً، كل شيء بالمكان الصحيح.
عدتُ مرة ثانية للصور التي فُقِدتُ منها، رتبتُها زمنياً أمامي، حلمتُ بحذرٍ أنني موجودٌ فيها في مكانٍ ما.
*
ـ لم أحلمُ بقسوةٍ كهذه المرة من قبل، كما لم أبدو أحمقاً بأن أمارس حلماً بسيطاً إلى هذا الحد، يأن أبقى، فقط بأن أبقى موجوداً.
ـ عدتُ ونظرتُ إلى الصورة الأولى التي اختفيتُ منها، أرسلتُ مُلصقاً ضاحكاً آخرَ، تلاهُ مُلصقٌ ساخر، مازلتُ مُختفٍ لا يتعرّفُ عليَّ أحدٌ سواي.

ـ استقبلتُ مُلصقاً، هناكَ من عرفَ بوجودي، عادتْ نفسُ الأمنية القديمة بأن أختفي.

 

عن حسين الماغوط

حسين الماغوط
كاتب من سوريا