الصفحة الرئيسية / تجريب / عندما، الياسمين يموت
A still from Koza (1995), Nuri Bilge Ceylan / Film

عندما، الياسمين يموت

كان صوتها في الهاتف يرتجف لاهثًا متقطعًا من شدّة الخوف. أنهت سوسن مكالمتها بسرعة، جعلت تنظر بريبة فيما حولها، وهي تقبض بقوّة على كيسٍ كان يتدلى من يدها اليسرى، سرعان ما لفّته حول معصمها، بعد أن حدجتها عينا رجل متسول افترشَ الأرض في زاوية شارع فرعيّ وسط مدينة إسطنبول التركية، يستجدي المارة القلائل، في صباح أولى أيام عيد الأضحى المبارك. اجتازت سوسن الرجل بخطوات سريعة، وهي تتلفّت مفكرة ” اذا اقترب مني سأضرب وجهه بالكيس وأركض “، اعتلى ثغرها ابتسامة جميلة، وقد عبقت أنفاسها فجأة برائحة الياسمين، المدفونة بذاكرتها، لتزيح الخوف عنها، وهي الغريبة، الوحيدة، في بلاد الأناضول .
-2-
لما التقيت سوسن بالقرب من مركز التجميل الذي أعمل فيه، كانت تهرول باتجاهي، بينما لا يزال صوتها اللاهث يأتيني في الهاتف متقطعا، ” أضعت الطريق مرتين، دخلت في شارع آخر، أعلم أني أتيت قبل موعدي بساعة، ولكن أنت تعلم! ” ، قالت سوسن ، ” ماذا أعلم، أنا لم أعد أعلم شيئًا ! ” ، تساءلت مفكرًا. وبالرّغم من رؤيتها لي على مسافة قريبة منها، ارتجلت سوسن كلمات مبعثرة، لم يتمكن هاتفي من التقاط ذبذباتها، وكأنما كانت تخشى الصمت، فالصمت يقتلها. صافحتني بحرارة، تمعنت وجهي جيدًا، ” وجهك مألوف لي، هل رأيتك من قبل؟! ” ، قالت سوسن مبتسمة، كدت أجيبها ، “ومن منا في غربته لم تتقاذف ذاكرته هيئات لمئات الوجوه، دون أن يكون قد عرف أصحابها حقًا، أو حتى تجاذب أطراف الحديث معهم” ، ولكنني لم أفعل، بل ابتسمت قائلًا ببلاهة، “ربما التقينا فعلًا هنا، أو في دمشق! ” ، نظرت إليها فوجدتها وقد فاضت عيناها بصورٍ لوجوه ألفناها فيما مضى، وأماكن أدمنّا رؤيتها . ساد صمت ثقيل كالجّليد، تكسر تحت وطأة خطواتنا، أثناء اعتلاءنا درج البناء، باتجاه المركز .
-3-
رحبت سوسن بالعاملين وكأنها هي من كانت في استقبالهم! ، ألقت نظرة سريعة على المكان، تمتمت ببضع كلمات، ضحكت ، جلست ، قدمت اعتذارات متكررة حول قدومها باكرًا عن موعدها. كان ثغرها باسمًا، بينما عيناها تلتمع كالزجاج، امرأة تجاوزت عقدها الخامس، شعرها بني فاتح اللون، يزينه بعض الشيب المتناثر هنا وهناك، والذي غزا شعرها فجأة في الأعوام الخمسة الأخيرة . “خفت كثيرًا وأنا قادمة إليكم، ففي حارة فرعية ظهر فجأة أمامي رجل مريب، يرتدي ثيابًا مقطعة، أخذ يسألني أن أعطيه بعض النقود، فتراجعت إلى الخلف قليلًا، أمسكت بالكيس الذي يحتوي على بعض الكؤوس الزجاجية، والتي اشتريتها للتو، لففت الكيس حول معصمي، ثم تمالكت نفسي لأتجاوزه وقد عقدت العزم أن أضربه به، إذا قام باللحاق بي مجددًا ” ، جعلت سوسن تضحك، وهي تروي لنا قصصها دفعة واحدة، تتنقل بين حكاية وأخرى، دون فواصل زمنية أو منطقية، ” أنا وحيدة هنا، فبعد وفاة زوجي منذ شهرين تقريبا، وأنا أعيش وحيدة، ابنتي الوحيدة تعيش مع زوجها وأولادها في ألمانيا، ربما سأراهم يوما ما، أما أنا فأقوم بتدريس اللغة الإنكليزية . . . ” . بينما كانت سوسن تسرد لنا حكايتها، كنت أتمعن تفاصيلها بحزن، وددت لو اقتربت منها أكثر، وددت أن تلامس يديّ وجهها، فشعرها، وددت لو ضممتها قائلًا ” كم اشتقت لكِ ” . نهضت من مكاني، لأنسحب بهدوء من الغرفة. وقفت قبالة النافذة، تعرقت، فأصابني البلل، كانت روحي تنسل من بين أصابعي، مسافرة، تائهة، غارقة في بحر، تغوص فيه أجساد لأطفال صغار، تفوح منهم رائحة الياسمين !، قبل أن تستقر أخيرا عائدة إلى موطنها الأم، “اشتقت لكِ يا أمي”.
-4-
كانت تقف هناك، قبالة نافذة غرفتي التي تعرّش عليها شجيرة الياسمين، تعتلي شرفة منزلنا المطلة على دمشق، تتأمل سماء العاصمة ،في أولى أيام العيد، وقد غصّت بالدخان . أجفلت أمي لدى سماعها صوت انفجار قوي لقذيفة انطلقت من جبل قاسيون خلفها، باتجاه منطقة جوبر الدمشقية، لتسقط هناك، فتتساقط معها بعض من حبات الياسمين، متهاوية في بركة من الماء، المتجمع أسفل نافذة غرفتي .
إلى أمي .

عن محمد الزعين

كاتب سوري