الصفحة الرئيسية / تجريب / الصّوفيّون الحُكماء، نَبذَة مُختَصَرَة

الصّوفيّون الحُكماء، نَبذَة مُختَصَرَة

شيراز/ محسن كياني، باكستان/ تصوير عبيد نواز.

يعقوب خضر

أوّلًا/ أساسُ اللفظ:

تعدّدت محاولات تفسير منشأ مصطلح “الصوفيّة” من خلال ردّه وتقريبه اللغويّ الاستدلاليّ للأحرف الثلاث “ص،و،ف”، فمن الباحثين من ذهب للقول عن “الصَّفاء” دلالةً على صَفاءِ نفوسِ الصّوفيّين، كما قالوا عن “الصِّفة” من مبدأ الاتّصاف بالأخلاق الحسنة، وعن “الصُّفة/الصفوة” بترميزٍ لهم كصفوةٍ بين أقرانهم، لكنّ هذه كلّها وغيرها وبذات منهج التحليل لن تفضي لمصطلحِ “الصّوفيّة”، بل ستكون من الصّفاء صَفائيًّا وصفائيّون، ومن الصِّفةِ صفاتيٌّ وصفاتيّون، ومن الصُّفة والصفوة صفوتيّ وصفواتيوّن، لذا ما زال الفهم الشّائع لفلسفتهم يستندُ على إرجاع سبب تسميتهم للصّوفِ الّذي كانوا يرتدونه كنوعِ من التّقشّف، كما للصّوفةِ وهي ذاتها بأنّهم كالصّوفة الرّخوة بين يديّ من يعبدون.

لكن الملاحظة عن اختلافِ مناطق تواجدهم الجغرافيّة تضعِفُ من نظريّة “الصّوف” أيضًا حيث لم يكن شائعًا استعماله في كلّ أماكن تبلور أفكار التصّوف ومنهجتها، كما مزجُ هذا التقريب مع العامل الزّمانيّ في بدايات العام /800/ بعد ميلاد عيسى ابن مريم أو ما يُعرف إسلاميًّا بالقرن الثالث بعد هجرة محمّد نبيّ المسلمين، وهي المرحلةُ الّتي ازدهرت فيها في مناطق وجودهم حركة التّرجمة ونقل الثقافات وتقريب المفاهيم، يفضي هذا إلى نتيجةٍ تبدو أكثر منطقيّة، ألا وهي أنّ أساس اللفظ هو المصدرُ اليونانيّ “SOPHY” والّذي يعني الحكمة، كما وللإشارة فقط هنا أنّ لفظة فلسفة ذاتها “Philo-sophy” هي في الأساس اليونانيّ مؤلّفة من مقطعين وتعني حبّ الحكمة.

ثانيًا/ أصل التّصوّف:

الشّائع الحاليّ عن التّصوّف هو ارتباطه بالدّين الإسلاميّ، لكنّ الصّحيح أنّ المتصوّف سيجدُ طريقةً فقط في الإسلام كما وجد قبله وسيجدُ طريقةً في أديان ومناهج تفكير أخرى، فإذا كان الأصل في ممارسات المتصوّف الزّهد في الدّنيا وتصفية البواطن وتقويم الخلق وضبط السّلوك وطلب العِلم والجّد في العمل، فبالمستطاع إذن وصفُ كاهنٍ مسيحيٍّ يحمل تلك الصّفات بالمتصوّف، أو راهبٍ بوذيّ، أو حتّى أيّ ممّن يحمل صفات المتصوّف ولا يلتزمُ بطريقةٍ دينيّة أو مناهج شائعة، كأن نقول عن البستانيّ المكدّ في عمله المحبّ لنبته والمتفاني في رعايتهم أنّه صوفيٌّ بستانيّ، وعن الخزّاف الّذي يستغرقُ ويتأمّل ويكدّ أثناء رصف دقائق الحجارة أنّه خزّافٌ متصوّف.

هي صفةٌ إذن نستطيع إطلاقها عمومًا على من يحمل صفات التصّوف، لكنّ ما سنبيّنه هنا هو الشّائع الشّهير عالميًا بعد انتشار التصوّف لدى المسلمين كطريقةٍ لها مبادئ ومعلّمين وشيوخ واتّجاهات وطرق تختلف ببعض التفاصيل وتتّفق بغيرها.

ثالثًا/التصوّف والإسلام:

ذكر “حاجي خليفة” في كتابه “كشف الظّنون” عن ظهور فئة المتصوّفين المسلمين في حدود عام مئتين للهجرة الإسلاميّة، كما ذكر غيره من روّاد جيله والمؤرّخين ذلك، لكنّ علماء التصوّف إذ يُرجِعون أصل منطقهم لطريقة التفكير والعيش يقولون أنّ هذا أساسًا كان موجودًا في محيط رسول الإسلام عندما كان يُطلِقُ صفاتًا وأسماءً على محيطه حسب فهمهم للدّين والوجود كأن يُطلِق على أبي بكر اسم “الله” المفرد، وعلى ابن عمّه عليّ لقب “لا إله إلّا الله” والّتي تعني ضمنًا إثبات النفي بالنفي وإثبات الإثبات بالإثبات، لكنّ وجود فئة الصّحابة في حياة محمّد لم يدع مكانًا لتسميات أخرى يُخصّ بها الزهّاد من الناس، فما كان إلّا أن بدأ عمل “البدعة” -لاحقًا بعد موته وموت الصّحابة- في تسمية المتعبّدين الزهّاد المنصرفين عن الدنيا أو ما كان يقال عنهم “الخاصّة” وذلك تدريجيًّا حتى عام مئة وخمسين حين يذكر ابن خلدون أيضًا عن أوّل من يعرفُ عنه شهرته بالتّصوّف وهو “أبو هاشم الصّوفيّ”.

وكحال جميع الفئات والفرق والمجموعات، سيبدأ روّاد وعلماء الطرق الصوفيّة بتسجيلها والبحث بها والشرح عنها، كالمحاسبي والقشيري والكلاباذي وغيرهم العديد بين 200 حتى 500 للهجرة، لكنّ المكتوب الاشهر كان للإمام الغزاليّ ثم للجيلانيّ بعده، والّذين أسّسا لأفكار التربيّة الدينيّة الأخلاقيّة، كما ساهما في تنشئة جيل ساعد صلاح الدّين في حروبه ممّا زاد من شهرتهم.
وعودة لأبي بكر وعليّ، فقد أخذ أتباع المنطق الصوفيّ عنهم تسمية البكريّة والعلويّة، ثمّ بعد محاولات أبو القاسم الجنيد توحيدهما تفرّعتا إلى الخلوتيّة والنّقشبنديّة، ثم ظهرت طرق أربعة هي طريقة الإمام الرّفاعيّ المسماة بالرفاعيّة، والجيلانيّ الّذي أتى بالجيلانيّة، كما طريقة أحمد البدويّ وطريقة ابراهيم الدّسوقيّ، وتعتبر أيّة طريقةٍ حالية للتصوّف الإسلاميّ مستمدّة من هذه الطُرق الأربعة مع إضافة ما أتى لاحقًا عن أبو الحسن الشاذلي ألا وهي الطريقة الشاذليّة.

يُذكر هنا أن لفظة “الطريقة” مستمدة من القرآن: “وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا”.

رابعًا/شروح عامّة سريعة:

1- بالأساس وقبل الاجتهاد والكشوف والشروح والبدع، يتّبع الصوفيّون القرآن الإسلاميّ والسنّة الإسلاميّة، يقول الشاذلي: “إذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإلهام.

2- تختلفُ الطُرق الصوفيّة حسب توصيات رجالاتها وشيوخها، فمنهم من يهتمّ ويوصي بالصيام الكثير ومنهم من يطلب الصّلاة ومنهم من يدعو للخلوة والعزلة ومنهم من يدعو التقشّف ومنهم من يطلب كلّ هذا وغيره بشدّة أو بِلين، لكنّ غاياتها جميعها هي الوصول للخالق ولو من عدة اتجاهات، كما المقولة الشهيرة عنهم: “لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق”، ومثلما اختلفت الطرق اختلفت أيضًا شاراتها ورموزها، فمثلًا اتّخذ الرفاعيّون السواد كلونٍ لهم، والقادريّون اتخذوا اللون الأخضر، والأحمديون الأحمر، والبرهانية بالأبيض والأصفر والأخضر.


3-
بالنسبة للمفهوم الإسلاميّ “الجهاد” يميّز الصوفيّون: الجهاد الأكبر هو جهاد النّفس وبناؤها، الجهاد الأصغر هو القتال وجهاد العدو، وللأنصاريّ قول هنا: “إن نجاة النفس أن يخالف العبد هواها، ويحملها على ما طلب منها ربها”.

4- التصّوف خلق، والصوفيّ من ملأ الرب قلبه نورًا، الأخلاق العالية وطيب الكلام والزّهد والمعرفة صفات صوفيّة اجتماعيّة عامة، لكنّ المقصود هنا بالمعرفة هو المعرفة الحسيّة الباطنيّة في التوجه لمعرفة الخالق والإحساس به وليست كما العلمُ الوضعيّ التجريبيّ الّذي يعتمد المنهج العقليّ في التفكير، فالسبيل إلى معرفة الله هو الله لا العقل.
يقول الغزالي: التصوّف هو نورٌ يقذفه الله في القلب.

5- كما أيّ مذهب أو طريقة فللصوفيّة مفاهيم ومصطلحات، ومنها مثلًا “الوجد” وهو حالة تواصل بين المتصوّف وربّه، و”التواجد” بما يعني ظهور باطن المتصوّف في ظاهره، و”الأنس” وهو الإحساس بوجود الله والخشوع لهذا.

6- الذكر هو ذكر الله، وللذكر أنواع وطرق عدّة حسب كل طريقة ومذهب صوفيّ، والشائع بين الجميع هو التصنيف: ذكر السر وذكر العلن، الذكر الفردي والجماعي، الذكر باللسان والذكر بالقلب.
يقول القشيري: “الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر”

7- الخلوة هي الانقطاع عن الناس لفترة، والانصراف للتعبّد والتزهّد، وقد تكون عامة يُذكر فيها اسم الله ويفصل فيها المتصوف ذاته عن المحيط، وقد تكون خاصة بمكان خاص، وقد تكون تبعًا لمعلّم أو مرشدٍ مشرف أو دون توجيه.

8- الوليّ والأولياء هم عبيد الله الذين خصّهم إلههم بتوفيقه واصطفاهم بنوره ومعرفته، وهم ليسوا أنبياء بل بشر يخطؤون ويصيبون لكن الله قد يعصمهم، وللأولياء مراتب، أعلاها القطب، وهو المغيث للعبيد، كالجيلاني والرفاعي، ثم الأئمة والإمامة كما لو أنّ الإمام هو مساعد للقطب، ثم الأوتاد الذين يحفظون جهات الأرض، ثم الأبدال الأربعون الذين يساعدون الناس، ويقال أنه كلما مات منهم رجل استبدله الله بغيره، ثم التسعة والتسعون الذين يمثلون أسماء الله، ثم الثلاثمائة والتسعون وهم الصالحين من الناس.

9- الكرامة والكرامات هي الخوارق والأشياء التي يميز بها الله عباده الصالحين، وعُرف عن المتصوفين وجود الكثير من الكرامات بينهم، لكنهم بالوقت ذاته يعتبرون أعظم الكرامات هي الاستقامة على شرع الله وحسن الخلق.

10- معرفة الله هي معرفة النفس ومعرفة النفس هي معرفة الله، وهذا يتطلّب التوسّل له والتبرّك به والمجاهدة والتذلل في طلبه وترك الشهوات ونبذ المكروهات، ثم بعدها سيحصلون على كشف المستور عنهم وعلى الفراسة في معرفة النفوس وعلى الصفاء.
يقول الصوفيّون: “التخلّي ثمّ التحلّي ثمّ التجلّي”.

…………………

عن يعقوب خضر

يعقوب خضر
كاتب سوري