الصفحة الرئيسية / تجريب / أُمّي التي رَمَتنا في اليَمّ

أُمّي التي رَمَتنا في اليَمّ

جيل غرينبرغ | Jill Greenbergمصوّرة فوتوغرافية، 1967.هذا العمل جزء من مجموعة مصمّمة فقط ليتم تحطيمها.

خالد السعيد

اقتباسانِ من الوقت:

-1-
“من كان يُصدق أنّ أمي، أمي أنا سيكونَ لها حِساباً في فيسبوك وأنها ستستخدم المسنجر والواتس أب..!
هذا لم يكن رفاهيةَ انتشار التكنولوجيا، بل مخلفات حرب”.

-2-
­”في الأمس اتصلت أختي الكبيرة لتقول لي:
كلما وصلت أمكَ إلى قراءة (وصار فؤاد أم موسى فارغاً) بكتْ”.

أمي التي رَمتنا في اليمِّ، رَمتنا (ربمّا) دونَ وحيٍ كوحي أُمِّ موسى، لكن بذاتِ الخوفِ وذاتِ الحُزنِ، و (ربمّا) الفارق أنَّ النِيلَ لم يستقبل توابيتَنا بفعلِ قسوةِ “الفراعنة الجُدد” الذين لم يتزوجوا بنساءٍ مثلَ آسيا.
ففضلتْ أن ترمي بِنا إلى الأبيضِ لنَعبُرَ إلى الأرضِ التي نُجبِرُ فيها أنفُسنا على أُمورٍ كثيرة؛ كأن لا نرمي الكلاب بحجر (كما كنّا نفعل في حاراتنا) فلا نخدش العاطفة العامة التي تَعفي نفَسها من لومِ نفِسها حين تستخدم زرَّ الـــ (Blur) كلما أردات أن تعرضَ صورنا على الشاشة.

أو أن تتركنا ــ في أسوءِ الأحوال ـــ على ضفافِ الأسود نختبرُ صِدقَ الهوية الوطنية ونسألُ في وقتِ الملل الشحيح وأوقاتِ الإنتظار الطويلة مثل أفعى، عن شكل الخريطة الأصل للوطن، هل نَنسبُ لها (اللواء و الهضبة) أم نترك الأمرَ مرهوناً بمزاجِ الملوك!..

أمي التي رمتنا في اليمِّ، لم تقل لأخواتِنا بأن يتقصينَنا في المدن التي وصلنا إليها ناقصين أخاً أو ابناً أو ابن جار أو أخ آخر من أم موسى أُخرى، هي أيضاً رمت ابنها مثل حجر النرد لتقول في سرها المُقامر:
“إن تركتهُ طُعماً للبحر، فلربما ينجو مثل موسى أو كمثل يونس
لكني إن تركته طُعماً لبرِ الوطن فكيف ينجو”
إذ لم يحدثها التلفاز والفيسبوك والجيران والحقيقة عن أي ناجٍ في الوطن.

وفعلاً لم يتقصانا أحد غير كاميرات كانت تأخذ لنا لقطات فيديو على عجل (قبل أن تتحول أخبارنا من خبرٍ مصور أول أو ثاني إلى خبرٍ مكتوب بخط صغير لا تراه أعين أمهاتنا على الشريط أسفل الشاشة)

ولم يتقصانا أحد، غير مجموعات بشر تدافع عن فكرة الوطن “الصافي” لأنها لم تجد ضالتها في العِرقِ.
مجموعات بشر تصغر أو تكبر حسب المزاج العام لتاريخ البلد وأحوال الطقس فيه والمُدرس والجارة المتقاعدة والفتاة التي لم يرق لها سمرة وجوهنا وفشلنا في أمور مختلفة، كفشل جارتنا الستينية في التأقلم مع “الموضة” وأخطاء زوجها بتأنيث المذكر وابنهما بنطق مخارج الحروف الأجنبية.

لم يتقصانا أحد، غير جمل اضطرارية للملوك والرؤوساء يستخدمونها بحكم اللباقة الدبلوماسية يستخدمونها تماماً بنفس اللهجة والشعور؛ عندما قلت مرةً (الله يرحمه) لصديق صديقنا الذي تحدث بالصدفة أمامي أن خال أبيه كان قد توفي منذ شهر.

أمي التي رمتنا في اليم، رمتنا دون وحي مثل وحي أم موسى.
أمي التي رمتنا في اليم، رمتنا ولم ترسل أخواتنا لكي يتقصيننا.
أمي التي رمتنا في اليم، رمتنا ولم يكن لها لتخمنَّ أي شيء عنا
سوى أن المكان الذي سيتلقى من سينجو منا سوف يُحرم عليه المراضع.
أمي التي رمتنا في اليم، كمن يرمي قلبه أمام كلاب جائعة تجلس الآن قرب النافذة تَأملُ بنهايات كتلك التي مَنَّ الله فيها (في سورتي طه والقصص)، رغم أن الثديَ جَفْ.

اقتباسات من الموت:

-1-
فُقدان أو موت حالة واحدة من بين 269 من المهاجرين/ 2015

-2-
فُقدان أو موت حالة واحدة من بين 88 من المهاجرين / 2016

-3-
فُقدان أو موت حالة واحدة من بين 47 من المهاجرين / 2017
الخ
الخ

..

عن خالد السعيد

خالد السعيد
شاعر سوري