الصفحة الرئيسية / تجريب / هل وُلِدَ النّبي مُحمّد في عامِ الفيل فعلًا؟
Elephant-Combat-17th-Century-Rajput-Paintings-by-Hada-Master

هل وُلِدَ النّبي مُحمّد في عامِ الفيل فعلًا؟

سامر المصفي

يُجمع المؤرخون الاسلاميون -قديمهم وحديثهم- على رواية أصحاب الفيل إجماعا مطلقاً، وكذا جميع تفاسير القرآن المعتمدة (مع إختلافات صغيرة ببعض التفاصيل التي لا تؤثر في سرد الحكاية).

ومختصر القصة الإسلامية:

أن أبرهة الأشرم (الحبشي)، والي النجاشي على اليمن بنى كنيسة (القلّيس) وأرسل لملكه مفاخرًا بها و بأنه لن ينصرف عنها قبل أن يحجّ إليها العرب بدلًا من الكعبة في مكة (أي أن يحج العرب الوثنيون -بحسب الموروث الاسلامي- إلى كنيسة مسيحية !)

وبأن رجلاً من العرب تغوّط قرب تلك الكنيسة بقصد الإهانة ما جعل أبرهة يقرر إرسال جيش مزود بالفيلة لهدم الكعبة، (قيل ثمانية فيلة، وقيل اثني عشر، وقيل عددًا من الفيلة غير محدد). وبأنه -أي أبرهة- لم يكن يعرف الطريق الى مكة، فذهب إلى الطائف حيث أخبره أهلها بأنه مخطئ في العنوان والكعبة التي يريدها في مكة وليست كعبتنا (اللاّت) هذه.

ثم بعثوا معه دليلاّ يرشده الى مكة اسمه (أبو فاغر) مات في الطريق (رجمت العرب قبره فيما بعد. وكُتب شعر فيه).
ثم وصل جيش أبرهةإلى (المغمس) قرب مكة وأرسل لأهلها يخبرهم بنيته هدم الكعبة فقط وليس لقتالهم، فقرر حكماء مكة أن لا طاقة لهم على حربه فصعدوا الى الجبال يرون ما أبرهة بفاعل .

يلي ذلك نقاش عبد المطلب وأبرهة و قصة المئتي إبل التي أخذهم أبرهة ثم استعادهم عبد المطلب، مجيبًا على استغراب أبرهة من اهتمامه للإبل وليس للكعبة (أنا رب الإبل و للبيت رب يحميه) . وهنا أرسل رب الكعبة طيور الأبابيل ترمي أبرهة و فيلته بحجارة السجيل، لتجعل جيشه كالعصف المأكول. فعاد خائباً تتساقط اجزاء لحمه واحدة فواحدة حتى مات في صنعاء بعد ان انشق صدره.

هذه هي الحكاية بخطوطها العريضة مضافًا اليها عشرات التفاصيل المتناهية الدقة (أنساب وأسماء ثلاثية للأشخاص الذين ورد ذكرهم في القصة بدءًا من اليمن و انتهاءً بمكة، أنواع الطعام، الألوان، الحواريات التي دارت بتفاصيلها، حتى أن اسم الفيل كان محمود، بالإضافة لمئات الأسماء من الرواة والمحدثين و المؤرخين مع أنسابه، وكل ذلك منقول بالتواتر، أي أنه حديث لا يشك بصحته . بحسب تعريف الحديث المتواتر :
(حديث في أعلى درجات الصحة والثبوت وهو الحديث الذي رواه جماعة يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس. ويطلق على ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره).
حكمه:
أنه يقبل ويجب العمل به دون البحث عن درجته.

نقش أثري على حجر يقال أنه يعود لجيش أبرهة الحبشي، ذكرته مجلة الآثار الإلكترونية السعودية.

من جهة اخرى، سنجد مؤرخا بيزنطياً اسمه پروكوپيوس. ( 500-565 م ) قد أرّخ بشكل مفصّل قصة أبرهة الحبشي و حروبه، (لكن دون ان يذكر شيئًا عن استخدامه للفيلة)، وعن أبرهة يقول پروكوپيوس بانه كان صاحب مشروع للانضمام للبيزنطيين خلال حكم جستنيان الأول (482_565م) لتحويل طريق الحرير البري باتجاه البحر الأحمر مرورًا باليمن، إلا أن المشروع فشل لطبيعة الطريق الجغرافية الصعبة.

أبرهة -قبل ذلك- كان قد تمرد على الملك الحبشي النجاشي، ( نيغوس)، و أسس إمارة مستقلة في اليمن، و فشل نيغوس بإخضاعه في حملتين عسكريتين شنهما لإعادة اليمن للحكم الحبشي .

أما عن وفاة أبرهة فبحسب پروكوپيوس انها كانت بحدود 555 م، (أي قبل ولادة محمد المفترض أنها في عام الفيل أي 570 م بحسب الرواية الإسلامية)

وأما ذهاب فيلة من صنعاء الى مكة التي تبعد عنها اكثر من 1000 كم ، في منطقة صحراوية و جافة كالتي بين مكة و صنعاء. فهو امر خارج حدود المنطق.

كذلك سنجد مؤرخاً آخرًا اسمه (سيبيوس) الأرميني عاش في القرن السابع الميلادي. وكان أول من ذكر النبي محمد من خارج المصادر الإسلامية، واشتهر سيبيوس بأنه قد أرّخ للحروب البيزنطية مع الفرس و خصوصا فترة حكم (هيراكليوس) .
وكان قد كتب عن معركة الفيل هذه إنما في مكان و زمان آخر.

سورة الفيل، قرآن.

بعد مقتل هرمز الرابع و استلام الجنرال (بهرام تشوبين) مقاليد السلطة الساسانية واعلان نفسه ملكاّ تحت اسم (بهرام السادس) هرب ولي عهد الملك خسرو الثاني الى البيزنطيين في سوريا لطلب النجدة باستعادة الحكم ، خلال تلك المرحلة كان الأرمن متحالفين مع البيزنطيين في حروبهم مع الفرس رغم الخلاف العقائدي بينهم حول الطبيعة الواحدة للمسيح .

و بحسب سيبيوس فقد حاول بهرام استمالة قائد الارمن (موشنغ الثاني) ، واغرائه بحكم ذاتي عبر رسالة وجهها له يدعوه فيها للانضمام الى معسكره، إلا أن موشنغ كان يعلم أنها مجرد خدعة، فلم يرد على الرسالة، ما جعل بهرام يوجه رسالة ثانية فيها وعيد وتهديد بتدمير جيشهم بالفيلة التي يمتلكها ضمن جيشه، فقام (موشنغ الثاني) بالرد على تهديد بهرام برسالة لاتزال نسختها الأصلية موجودة في المتحف الوطني بالعاصمة الأرمينية (يريفان) تحت رقم (2639) /بحسب الباحث وعالم المخطوطات المغربي محمد المسيّح ومترجمة الى ثلاث لغات الروسية و الفرنسية و الانكليزية /
اما نص الرسالة وهو الأهم في هذا السياق فهو كالتالي:

لن يكون الملك الا لمن أراد الله، يعطيه لمن يشاء، يجب ان تأسف على نفسك، وليس علينا, اعرف أنك متبجح، و ليس بالله تثق، ولكن بشجاعة و قوة أفيالك، اقول لك الان، أنه اذا أراد الله غداً صباحاً، محاربون شجعان، أرواح حارسة، تحيط بك و تهيج على عدد أفيالك، مثل غيوم السماء الهوجاء ، تقصفك من فوق، بروق و رعود رهيبة، تهاجمك أبطال مسلحة، محاربون سماويون ، يخترقون جيشك كالصواعق الملتهبة بالنار، تنزل من السماء على الأرض ثم تحرق الأخضر و اليابس، وأنه لو اراد الله لبعث عليك ريحاً عاصفة تحمل قوتك مثل الغبار تطير في السماء.

صورة الرسالة لموشنغ الثاني

أما عن تاريخ هذه المعركة فكان عام ( 591م) بحسب سيبيوس.، وهو العام ذاته الذي استلم خسرو الثاني الحكم الفارسي من جديد بعد هزيمة بهرام تشوبين في المعركة.

فنحن إذاً أمام مخطوط أصلي يوثق تلك المعركة وليس بعيداً عن زمن حدوثها سوى سنوات، في حين أن أقدم مخطوط إسلامي يذكر القصة متأخرٌ عنها ما لا يقل عن قرنين من الزمان،أي سيرة عبد الملك بن هشام الذي توفي 833 م.

فماذا اذاً عن قصة أبرهة الاشرم ومحاولة هدم الكعبة؟ وكل تلك التفاصيل الدقيقة جداً ، كأنما من كتبها يشاهد شريط سينمائي، رسالة (موشنغ الثاني) لبهرام و وعيده بمؤازرة الهية انما هو تعبير رمزي، و رسالة يريد إيصالها لخصمه عن مشيئة الله و قدرته ، ولا تعني حدوث تلك الخوارق، التي كتبها ابن هشام و الطبري وابن كثير والمئات غيرهم على أنها حدثت عن طيور عجيبة تحمل ثلاث حصوات مجلوبة من جهنم بحجم حبة الحمص كافية لقتل فيل.. )

هل تشابه اسم بهرام و أبرهة، أوقع كتاب السيرة والمؤرخين المسلمين في هذا الخطأ؟ أم هو انزياح مقصود بالأحداث صوب الحجاز مكان ظهور الإسلام المفترض ، واعتباره مركز الأحداث و قلب الصراع العالمي آنذاك، ولماذا تم اختلاق هذه القصة وحشوها بالتفاصيل الدقيقة والأسماء والأمكنة و الحوارات كنوع من إضفاء المصداقية عليها، في حين أن القرآن لم يقل كلمة واحدة في الموضوع وما ورد في سورة الفيل كان خمس ايات فقط خالية من أي إشارة لأبرهة ونيته هدم الكعبة ، ولا أي شيء من كل تلك الحكاية العجيبة، بل جاءت الآية كنوع من الموعظة و التنبيه . ليس إلا :


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ

تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ

فما الذي جعل جميع المفسرين يجمعون على حكاية أبرهة الحبشي في أسباب نزول هذه الآية?

ولابد هنا من تساؤل آخر:
كيف يمكن للقرآن -من حيث أنه كلام الله- أن يكون مطابقاً لرسالة (موشنغ الثاني) بهذا الشكل خصوصاً في الآية الأخيرة (ريحاً عاصفة تحمل قوتك مثل الغبار تطير في السماء)
(فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)
هل الله بحاجة لاقتباس كلام من رسائل البشر في قرآنه?

من جهة أخرى:
المفروض أن النبي محمد ولد بعام الفيل (وهو أمر وارد باعتباره حدث فارق أي هزيمة بهرام و استلام كسرى (خسرو الثاني) لعرش فارس، (ومن الطبيعي أن يقال بأن فلان ولد في عام الفيل)
إنما هذا التاريخ -أي عام الفيل- اتُفق أن يكون (570 م) بحسب الرواية الإسلامية، لسبب ما، (وهذا السبب يحتاج للكثير من البحث و التقصي).

ولكن لو مضينا مع وثيقة سيبيوس الموجودة بين أيدينا، فسيكون مولد محمد في (591 م) أي بفارق عشرين سنة لاحقة .
وهذا يجعل وفاته تحدث بعد عشرين سنة مما نعرفه أي 652 م وليس 632 م، ما يفتح باباً لاعادة قراءة ما يسمى بالفتوحات الإسلامية كلها.

وحيث أنه لا وجود لوثيقة واحدة أو نقش أو مخطوط إسلامي يعود لتلك الفترة، فليس باستطاعتنا التثبت من مصداقية التواريخ المعتمدة لمعارك شهيرة رسمت خارطة الفتوحات تلك ورسمت معه تاريخ المنطقة الرسمي، لكن إن كانت وفاة محمد حدثت في حدود 650 م فهذا سينفي حدوث خلافة أبي بكر و عمر وعثمان وبأن معارك كاليرموك وأجنادين والقادسية وفتح بلاد فارس وأرمينيا وأذربيجان وأفغانستان ومصر كلها حدثت بعهد محمد، أو أن محمد توفي بعمر الاربعين وليس الستين .

وبالحالتين المعضلة قائمة، فماذا عن تاريخ نزول القرآن والهجرةوفتح مكة وفترات حكم أبي بكر وعمر وصولاً الى معاوية الذي توجد أدلة مادية على وجوده كحاكم لدمشق، كعملاته التي سكّها وعليها صورته ونقوش يونانية تذكره بالاسم تعود جميعها للفترة التي حكم فيها فعلاً (661_680م)، ذلك سيضعنا أمام فجوة زمنية مدتها عقدين كاملين لا نعرف عنهما شيئاً.

(والمفارقة الغريبة ان هذه النقوش والعملات تظهر معاوية كحاكم عربي مسيحي وليس كخليفة للمسلمين)

الاحتمال الأخير هو أن نهمل وثيقة سيبيوس هذه، التي تحدد تاريخ معركة الفيل الواردة في القرآن،
ونبقي على رواية كتاب ابن اسحق الغير موجود والذي ادعى ابن هشام أنه قرأه ثم كتب لنا بعد مئتي سنة ما يعرف بـ (السيرة النبوية). وبأن أبرهة جاء بالفيلة من اليمن الى مكة ليهدم الكعبة. وباقي الحكايات المعروفة.

عن سامر المصفي

سامر المصفي
مدوّن سوري - كتّاب دحنون