الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / قاعة «سميراميس» لم تكن قاعة افتراضية: أي سوريا بعد الآن؟! – نبيه البرجي

قاعة «سميراميس» لم تكن قاعة افتراضية: أي سوريا بعد الآن؟! – نبيه البرجي

تدخل الى فندق سميرامس في وسط المدينة (لا احد هنا يستخدم التعبير الانكليزي «الداون تاون» ولا التعبير الفرنسي «سنترفيل»)، فتشعر كما لو انك في قاعة افتراضية. كيف يتجرأ هؤلاء الناس على قول ما يقولون، وفي هذا المكان؟
لا ريب ان شيئا ما في هذه الدنيا تغير، واحدهم يقول كلنا «نعلم ان بشار الاسد لا يمتلك مواصفات الدكتاتورية، وان الكثيرين يحبونه، ولكن لماذا ارتضى ان يحيط نفسه بكل اولئك الابالسة؟». يستدرك المعارض ليضيف «وبالرغم من كل الدم الذي يغطي الان المسرح السياسي في سوريا، لا بد لي من اقول ان هناك من وضعه داخل الحصار، ولا ادري كيف ينظر الى يديه كل مساء، لكنني واثق من انه يتعذب، وعليه بداية ان يتحرر، في الحال، من الكثير من اهل البطانة «ربما الوقت فات، فات كثيرا».
أي سوريا؟
في الحلقات الجانبية تأكيد حاسم بعدم وجود أي ثغرة طائفية أو مذهبية في شخصية الأسد «لكن يقتضي الاعتراف بان هناك، على الجانبين، من حاول ان يمارس هذه اللعبة الجهنمية، لكن سوريا تبقى سوريا». ولعلك تسأل: أي سوريا بعد الان؟
الايام المائة كانت هائلة. ماذا عن الايام المقبلة؟ مئات تلو مئات؟ اكثر من شخصية معارضة تتحدث عن «الدراما السياسية». اجل سوريا شيء اخر. الحساسية الجيوستراتيجية، دقة الدور، الفسيفساء الطائفية والاثنية، الشراهة الاقليمية والدولية. يا للغرابة ان تسمع هنا، وفي دمشق، من يحدثك عن الخطر الآتي من لبنان، وذاك الآتي من اسرائيل. هل اللعبة معقدة وملتبسة الى هذا الحد؟
من قائدكم؟
من قائدكم ايها السادة المعارضة؟ تسأل فسيأتيك الجواب: «الشعب» الجواب رومانسي وفضفاض، ولا يصلح لهذه الثقافة العربية التي تحتاج الى عقود طويلة كي تخرج من اوديسة الماضي، إياك ان تستعيد ما كتبه ميشال أبو جودة منذ حوالي نصف قرن، وإبان عهد جمال عبدالناصر «مصر قائد بلا شعب، وسوريا شعب بلا قائد»، ولكن ألم يثبت المصريون انهم شعب عظيم؟
محطة أوروبية سريعة، يقول جان اتال ان السبب الحقيقي للتراجيديا الاوروبية ليس «الاله الاميركي»، بل لأن التاريخ رحل عن القارة العجوز التي مأساتها الان انها من دون قائد، يضيف: «لعل البعض بلغ به التهكم والمرارة حد الدعوة الى استنساخ شارلمان أو بسمارك أو تشرشل أو ديغول، ناهيك عن لويس الرابع عشر وبونابرت، وحتى أدولف هتلر…».
السيناريوهات التركية
حين يحكى هذا الكلام في قارة على ذلك المستوى من التطور السوسيولوجي والتكنولوجي لا مناص من أن تسأل في دمشق عن حال العرب في هذه الحال، ولكن انتبهوا، عليكم التفريق بين القائد والدكتاتور، هل استغرقتم في الضحك أم في البكاء؟
حين قال القادة الأتراك انهم وضعوا السيناريوهات اللازمة، سياسيا وعسكريا، لأسوأ الاحتمالات في سوريا، كان هناك من يتوقع، حتى بين المسؤولين، ان يستيقظ سكان حلب ذات صباح ليجدوا دبابات السلطان العثماني في شوارع المدينة، لا بل ان أحدهم حدثنا عن معلومات تقول بعملية برية وبحرية وجوية واسعة النطاق تصل بالجيش التركي الى الحدود اللبنانية الشمالية، أي احتلال كل الشريط الساحلي منعا لقيام الدولة العلوية التي قد تجد تداعياتها لدى علويي تركيا، وهم بالملايين.
المنطقة الكردية
ووفق ما قيل لنا، فإن العملية المتشعبة كانت تلحظ احتلال منطقة الحسكة (القامشلي) بعربها وكردها، كي لا يحدث التداخل بين كردستان العراق وكردستان سوريا، واثر ذلك في كردستان تركيا، من أوقف السيناريو؟
في عاصمة الأمويين يقال ان الاضواء تركزت على «الفيتو» الروسي في نيويورك، لكن الأهم ما كان يحدث في مكان آخر، وفي امكنة أخرى، والى حد الحديث عن ان موسكو ستتدخل عسكرياً اذا ما قامت اي دولة، أو مجموعة دول (والمقصود حلف شمال الاطلسي) بعملية عسكرية ضد سوريا.
الغرام السوفيتي
أكثر من تأكيد في دمشق لهذا الكلام، هل هو الغرام السوفيتي القديم يعود ثانية؟ بين الدول لا غرام بل مصالح، وان كان معروفاً ان معاهدة استراتيجية كانت تجمع بين سوريا والاتحاد السوفيتي قبل زواله، وبعض من كانوا على تواصل مع موسكو، قال ان التاريخ في آسيا يبقى هو التاريخ، انه أقوى من الايديولوجيا، ومن الصفقات، حتى ومن الفضائح، فالروس يتوجسون كثيراً من «العالم التركي»، الذي له امتداداته في آسيا الوسطى، كما في القوقاز، وصولاً الى الداخل الروسي، اي الى داغستان والشيشان.
التوجس الروسي تقاطع مع التوجس الصيني، وهذا ما انعكس تعاوناً بعيداً من الضوء بين موسكو وبكين، التي تدرك ان اقليم سينكيانغ، المتاخم لقازاخستان، كان يدعى تركستان الشرقية، وان الايغور المسلمين الذين يتواجد النفط في مناطقهم اقرب عاطفياً وتاريخياً، الى اسطنبول منهم الى شانغهاي.
الحرائق الداخلية
ويقولون في دمشق ان موقف الكرملين كان حاسماً في الحيلولة دون تكلف التطورات الصينية الدراماتيكية، ثمة ارتياح واضح جعل الدبابات السورية تقترب من الحدود التركية «دون وجل»، وان كانت الحرائق الداخلية لا تزال هي الهم الأكبر.
أيضاً كلام حساس جداً في دمشق حول موقف سعودي، أو على الأقل موقف بعض المسؤولين السعوديين الذي لم يخرج إلى العلن، لكنه وصل عبر قنوات معينة، فالرياض تسأل عن مصير الخليج العربي اذا ما اصبح العراق تحت الوصاية الإيرانية وأصبحت سوريا تحت الوصاية التركية (وسيان بين الوصاية والاحتلال)..
أين الدور السعودي؟
في هذه الحال، أين هو الدور السعودي (باستشراف الفوضى اليمنية ايضاً)؟ ومن يمنع الخليج العربي من الضياع الاستراتيجي؟ ما قيل إنه موقف سعودي ترافق مع رسالة من القاهرة مماثلة الى حد بعيد. اذاً ما تأثير كل هذا على مسار الأمور في سوريا؟
رغم استخدام بعض «نزلاء» السميراميس لعبارات راديكالية (وليس المقصود عبارات أصولية) ضد النظام، كانت هناك اشارات براغماتية في الزوايا، فالخيار الافضل هو «التسوية» مع النظام او مع ما يتبقى، ومن يتبقى، من النظام الذي «قرر» ألا يسقط، وقرر اخرون ألا يسقط، فالثابت ان الروس تجاوزوا الدعم السياسي، وتراجعهم في التعاطي مع العقيد معمر القذافي والى حد دعوته الى الرحيل لا ينطبق على بشار الأسد.
المياه الدافئة
هنا المسألة ليست في الشخص، وانما هي في المصلحة الاستراتيجية، اذ يفترض الا يكون ديمتري مدفيديف مختلفاً عن فلاديمير ايليتشا لينين، ولا عن بطرس الاكبر ان في نظرته الى المياه الدافئة، او في نظرته الى الأمن الاستراتيجي الروسي الذي قالت هيلين كارير- دانكوس انه يمتد حتى الى مرفأ اللاذقية حيث تختال البوارج الروسية بين الحين والآخر.
تسوية.. ولكن كيف؟ الجواب، بطبيعة الحال، ليس في دمشق!!
 —————-
عن جدار

عن دحنون

دحنون
منصة تشاركية تعنى بالكتابة والفنون البصرية والناس.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.