الصفحة الرئيسية / نصوص / شهادات / تاريخ من لا تاريخ لهم – ٢

تاريخ من لا تاريخ لهم – ٢

أحمد سويدان

 

كانون الثاني 1991
الثلاثاء 1/1

دوماً كنت أهجس بيني وبين نفسي حول إمكانية كتابة يوميات .. وذلك منذ بداية اعتقالي في 24 نيسان عام 1982.
لم يتيسر ذلك إلا في بداية عام 1991
مكثت في الأمن العسكري حتى أيلول عام 1983
أقمت في معتقل تدمر بعد ذلك حتى أيلول عام 1987
والإقامة الثالثة في سجن صيدنايا “تلفيتا” التي استمرت حتى 2 آب 1994.
أما الإقامة الرابعة والأخيرة فهي في الأمن العسكري ثانية والتي دامت حتى منتصف ليل 23 تشرين الأول عام 1994 حيث تمّ الإفراج عني بعد اعتقال اثنتي عشر عاماً ونصف العام.
لم يكن اعتقالي مفاجأة لي، فمنذ عام 1975 كنت أعمل في صفوف المعارضة السياسية. لقد اجتاحت بلاد الشام موجة من العنف.
أثناء التحقيق في الأمن العسكري لم نر الشمس إطلاقاً، ولم نقرأ، ولم نسمع خبراً وعندما فتحوا باب الزيارات بعد عامين، وكنا قد تكومنا في معتقل تدمر وزعوا علينا الكتب ..
إن الاطمئنان على الأولاد والأهل من جهة، والانغماس في القراءة. دفعاني إلى الاستقرار النفسي، والذهني .. مما جعلني – فيما بعد – أفكر بكتابة اليوميات وتسجيل كل المعلومات التي أسمع، والملاحظات التي تخطر على البال وهكذا بدأت.

 

الأربعاء 2/1 

مضى العام خلف العام، حتى حلَّ 26 أيلول من عام 1987.
أمرونا بحزم أغراضنا الخفيفة. الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً. لقد حدثت إجراءات النقل بحراسة مشددة. مشينا من ممر إلى ممر بين المهاجع المغلقة التي عرفنا أن عددها يتراوح بين خمسين وخمسة وخمسين مهجعا. وقدرنا أنها تضم حوالي خمسة آلاف معتقل سياسي ديني، وقومي، وشيوعي “مكتب سياسي” مع وجود فلسطينيين، ولبنانيين.
كان عددنا خمسة وستون نعود إلى حزب تأسس باسم “البعث الديمقراطي” عام 1975 , ودخل عام 1978 في: “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي يرأسه الدكتور المناضل جمال الأتاسي. وكان هذا التجمع يضم:
1) الحزب الشيوعي السوري “المكتب السياسي” برئاسة رياض الترك.
2) حزب “العربي الاشتراكي” برئاسة عبد الغني عياش.
3) القوميون العرب الجناح المرتبط بتنظيم لبنان الذي يتبع المفكر ياسين الحافظ وكان الممثل في القطر.
4) حزب “البعث الديمقراطي”.
5) الحزب العربي الناصري برئاسة الدكتور جمال.
وحتى بداية اعتقالنا كان رئيس التجمع يجري اتصالات عديدة مع التنظيم الديني الذي يرأسه عصام العطار دون التوصل إلى صيغة عمل مشتركة تمهد للدخول في التجمع . كما أجرى معه بعض الشباب من: “رابطة العمل الشيوعي” حوارات عديدة للدخول إلى التجمع، ولكن هذه الحوارات لم تصل إلى نتيجة بسبب التطرف الذي سارت عليه هذه الرابطة أو بسبب الاختراقات الأمنية في صفوفها.
كنا ونحن نغادر المهجع 29 كأننا الأشباح. نام كل واحد منا طوال أربع سنوات على مساحة عرضها 47 سنتيماً .. وفقد توازنه أكثر من أربعة منا .. وحدث انفصام لدى أكثر من واحد.
رأينا النهار عادياً. ورأينا الشمس تملأ الساحات. لم يهتم النهار بنا على غير ما توقعنا. كنا صفر الوجوه. محنييّ القامات. هدّنا الفقد، وغارت عيوننا في تجاويفها ذابلة, دامعة ومتعبة .. رأيت عصافير الدوري تنط فوق أطراف سطوح المهاجع فعجبت من تواجدها .. ألم تلاحقها الطلقات؟ ألم تتبعها الأحذية ذات الرقابة العالمية.
كنا ونحن نتهاوى، ونجد أنفسنا من ممر إلى ساحة، ومن ساحة إلى ممر بين العسكر المتوتر. المنفلت الصوت. لا نعرف هل نمضي إلى ساحة العقاب أم إلى إخلاء السبيل! هذه الساحات، وهذه الجدران. هي الشاهد الوحيد على الصراخ النازف، والتوجع والتفجع.
إن الجسم البشري عندما يُسام بالكابل المشرَّط، أو بالعصا المروّسة. يفرز صراخاً وعندما يخونه الصراخ يئن. وأنا أمشي أرمق الزوايا التي تنزف علّني أرى رمقاً من الأرواح الطازجة التي تريد الإيناس، وتود بث ما تعاني أو تكابد.
العساكر يؤكدون على الثبات، وعدم الحركة، والإلتفات، وضرورة الإطراق أرضاً . قلت إن عددنا خمسة وستون. أكبرنا من مواليد عام 1933. وأصغرنا من مواليد 1961.
بيننا عسكريون أعلاهم برتبة عميد، وأدناهم برتبة ملازم. ومهندسون من القطاعين المدني، والعسكري. وأساتذة، وصحافيون. وأربعة دكاترة أساتذة في الجامعات.
لا أعرف لماذا تذكرت رواية “بيت الموتى” وأنا ألقي آخر نظرة على سجن تدمر الصحراوي الرهيب.

 

الخميس 3/1

اعتقدنا أن مغادرة تدمر إلى مكان آخر هو تمهيد لإخلاء السبيل لأنه لا يعقل – مهما كانت الظروف – أن يمكث سجين الرأي أكثر من ذلك. لكن تصوُرنا، وتوقُعنا في واد، وهذا النظام الاستبدادي في واد آخر. البعض لم يجد المبرر لاستمرار اعتقالنا دون محاكمة حتى الآن . والبعض الآخر قال أن السجن السياسي سيستمر وأن سجناءه عبارة عن رهائن عن الشعب لمنع التحرك والاحتجاج. المهم نقلنا إلى سجن “تلفيتا” وهي قرية تابعة لصيدنايا. هذا السجن الضخم الذي أصبح جاهزاً لاستقبال النزلاء نهض بخبرة ألمانية غربية وتنفيذ محلي، وبتمويل سعودي بكلفة مليار دولار.
التقينا بنزلاء قادمين من المهاجع المغلقة في تدمر من التيارين: الديني والعراقي، لقد تحمّل هذان التياران منذ ” التصحيح ” عبء الاعتقال، والملاحقة، والتصفية.

 

الجمعة 4/1

التقيت في سجن صيدنايا برفاق بعثيين كنا سوية في التنظيم عام 1964 ثم دخلوا المعتقلات بعد انقلاب شباط 1966، وخرجوا ثم دخلوا بعد هزيمة 5 حزيران 1967، ومنهم من استمر وخرج بعد الهزيمة. ثم دخلوا بعد ” التصحيح “. أبداً لم تخل المعتقلات من بعث القيادة القومية، وقد كانوا بلا زيارات، وبلا تنفس، وبلا شروط ولو في الحدود الدنيا من الإنسانية عندما حلّو في معتقل تدمر.
أخبروني أن النقابي الحلبي جميل ثابت مات في أحد المهاجع المغلقة بسبب سوء التغذية، والضرب المبرح. قبيل قيام وحدة الـ 58 , كان جميل ثابت رئيس نقابة الغزل والنسيج في حلب، وفي أثناء الوحدة أصبح عضواً في اتحاد عمال المحافظة، وفي أيام الإنفصال قاد العمال في مظاهرات ضد الإنفصال، وبعد 8 آذار صـار إلى رئاسة اتحاد عمال المحافظة، وعام الـ 64، وبعد إبعـاد خالد الحكيم عن رئاسة الاتحاد العام ومعه أركان اليسار شبه التروتسكي المتمثل بحمود الشوفي، والفلسطيني محمد بصل وجورج طرابيشي , جاء جميل ثابت ليكون رئيساً للاتحاد العام.
مات جميل ثابت قهراً عن 60 عاماً. السبب أنه متعاطف مع القيادة القومية ومع العراق. هذه التهمة في عرف النظام كأنها إخلال بالأمن القومي .. مثل تهمة الفلسطينيين أنهم متعاطفون مع عرفات، واللبنانيين أنهم من جماعة جنبلاط، أو “المرابطون” جماعة قليلات .. من المسلمين.
شعرت بعد لقائي بالكثيرين أن التهمة جاهزة، وأن المعتقل يجب أن يختار واحدة وجميعها تمثل الخطر الماحق على أمن الوحدة، والحرية، والاشتراكية!!

الجزء السابق

 

عن أحمد سويدان

أحمد سويدان
أديب وصحفي متقاعد من مدينة السلمية، معتقل سياسي سابق لمدة إثنا عشرة عاماً ونصف 1982- 1994. أصدر بعد خروجه من المعتقل ثلاث روايات قصيرة: الزمن العقاري، كذبة نيسان، ومرآة الأنام، حيث تمكن من إعادة انتسابه لإتحاد كتاب العرب، بالإضافة لمجموعة قصصية عن مدينة السلمية بعنوان "خيوط تقطعت".

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.