الصفحة الرئيسية / تجريب / لو أن الموت تزوج
تشكيل لعمران يونس
Omran Younes,عمران يونس

لو أن الموت تزوج

حمد عبود

 

الموت/ الذكر الذي لم يتزوج الحياة كما هو متوقع من ذكرٍ يبحث عن توأمِ روحهِ الذي يُكمِّله ويحققِ وجوده، اكتفى بالوقوفِ خلفَ كل ناصيةٍ ليُقدِمَ نفسهُ على أنّه رصينٌ ومُتزن، يُتقنُ الحسابَ و يحبُه.

لنْ تُفاجئني؛ إنْ قلتَ بأنكَ لم تدفع حسابَ القهوةِ التي شربَها الموتُ على طاولةِ أحبابِك ولو لمرة واحدة لأنّه يا صاحبي قد تأبطُ ابريقه الملآن بالقهوة المُرّة أينما ذهبَ وحيثما حل، ذلك المتفذلكُ الداهية.

أنتَ مثلي، عوّدَك الموتُ على أخذِ ما له فقط، والحِصَصُ التي كُتبتْ في كِتابِ الموت لن تزيدَ ولن تنقُص.
في حين عوّدتنا الحياة على كرمها المفاجئ ومزاجيتها المفاجئة أيضاً لطبيعةٍ “فيزيولوجلية” مُنكّهةٍ بعواطف لا يعرفها ذاك العُصابي المتشدد.

الموتُ الذي يحب النزوات المتقنة، تكفيه ليلة واحدة فقط و لحظة وحيدة ليأخذ نشوته ويترك سرير أحلامك للخيبة فحسب، لذا لن يفاجئني إن كان أعزبا نرجسيا متوحدا بالأخذ لا بالعطاء، إنما أتخيله خصياً وجباناً لأنه لم يَرُدَّ طفلا واحدا لأهله، حيث يخطفهم ويطوف بهم سموات الله السبع بدون أن ينظر إلى الخلف.

هناك قصص وروايات عديدة عن الذين عاشوا حياتهم بالطول وبالعرض، قصص حقيقية، وستصدقُ – إن صادفتَ واحدة من هذه القصص – حدوثها فعلا لأنك تعرف أنّ لعبة الحياة تحتمل رابحا، في الغالب.

نعم… هناك قصص وروايات عن الذين تسلقوا الحياة ليصلوا ذروتها، في حين أنك لن تسمع عن أحد تسلق الموت، الموت دائما يحفر هاوية لمَن يقترب منه وعلى مقاس مَن يقترب لتكتمل دقة حساباته.

فما كان همّنا لو أنّ الموت تزوج فقط؟!

لتحلحلتْ عُقَده وانشغل عنّا بشيء ما، لأنهكته زوجته بطلباتها وبحبها وبشبقها وبشغفها، أي شيء كان سيملأ فراغه عنا.

كأنْ يحمل دفاتر حساباته وايصالات أماناته المهترئة ليُخبئها عن عين زوجته الغيور أو المتململة من اهتمامه بأسماء أشخاص غيرها وحينما يخطر بباله أن يحفر حفرة في المقبرة ليدفن أرشيف ماضيه الأسود سيجد أن المقابر امتلأت بعلاقاته المزيفة وحساباته المتقنة، كما يظن.

ها أنا أجلس الآن بعيدا مسافةَ ثمانمائة وسبعون كلم عن مسقط ذكرياتي هناك وما زال الموت يرسلُ رسائله المرعبة ليذكرني بحساباته الدقيقة، ولربما لكي لا أستغرب تأخره عني لأن اسمي لم يرتق رأس قوائمه بعد.

يوما ما سيجلس الموت على طاولتي ولن أسمح له بأن يشرب القهوة الباردة من ابريقه، سأحلف عليه ليشربَ من كأسي أياً كان ما فيه، سأحمل عنه ابريق القهوة وأتأبطُ ذراعه لأصيح بأعلى صوتي …
“هل من  عروسٍ تقبل به لعله يتوب عنّا بمقدار حياة واحدة “..

 

 

الصورة: تشكيل لعمران يونس

عن حمد عبود

حمد عبود
مواليد دير الزور هندسة اتصالات -جامعة حلب له مجموعة بعنوان " مطر الغيمة الأولى " عن دار أرواد - طرطوس محل الإقامة غير ثابت حالياً

تعليق واحد

  1. نعم… هناك قصص وروايات عن الذين تسلقوا الحياة ليصلوا ذروتها، في حين أنك لن تسمع عن أحد تسلق الموت، الموت دائما يحفر هاوية لمَن يقترب منه وعلى مقاس مَن يقترب لتكتمل دقة حساباته.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.