عكاز جدي

 

في سوريا، لا ينحصرُ الموت في المقابر فقط، تجده ينبتُ مع الاشجار، واجزاؤنا تتعلقُ على كابل الكهرباء وعلى الجدران. تجده في ارواحنا، يلفُ كل التفاصيل.

امّا عن حلب، فقد كانت كعُكاز جدي.

جدي الذي يمشي بعُكازٍ قديمة، يحني ظهرهُ كشجرةٍ في وجهِ الريح، يُمسكُ يدي، يشدُ عليها حين نقطعُ الشارع، عُكازه مُنحنيةً من كثرة ما اتعبتها الشوارع.

أخذت الحياةُ من جدي الكثير قبل ان يرحل، لكن إلى الآن، عُكازه، رُغم قصف الطيران؛ نُخرجها ولا شيء فيها..ناصعة الذكرى.

هكذا أرى حلب، وهكذا كنا فيها، كعُكاز جدي.

أتذكر؛ ومنذ سنتين في حي “طريق الباب”، ذات ليلة شتائية، كانت الغُرفة تسعُنا رغم ان الحُلم أكبرَ منها، في أحاديثنا الشتوية، أو غنائنا الثوري “بالطناجر بالصحون بدنا نشيلو للمجنون”

نجلس مقتربين في دائرة مفتوحةً لأي حُلم، اي حديث يجرنا بعيداً عما نحن فيه، حتى ولو كان الموت يُحاصرنا.

على باب الغرفة، كانت تقف شجرةً مُنحنية، توقفنا كلما حاولنا الدخول مُسرعين؛ شبهتها يوماً لحاجز عسكري، لا تمر دون ان تكشف عن هويتك.

تماماً، كان المكان الوحيد الذي شعرتُ فيه بالقوة، غرفةً عرفتُ فيها معنى الثورة الآخر، معنى ان ترصف الدمار، لتشكل قصيدة او لحن ما.

في وسط الغرفة، مدفأة قديمة؛ كنا وإن اشتد البردُ فينا، احرقنا نصف كُتب المدرسة المُهدمة ونصف ثيابنا، أو إن أردنا ان نطبخ شيئاً، نبحث بين الكُتب، او نحرق حذاء قديم؛ فالبيض المقلي مع قليل من البصل، له طعم خاص، إذا طُبخ على نار حذاءٍ مُهترِئ، او كتاب “قومية”.

لم يكن في حلب اعراس نفرح بها؛ كانت الكهرباء هي عُرسنا، او تحرير منطقة ما.

وما غير ذلك؛ شمعة تنتهي قريباً يتبعها صمت كثير المعاني، ثم صاروخ “سكود” يُخرس حُلمنا.

أتذكر ايضاً، طفل يقول فوق دمار الصاروخ “بس افهم ليش عم يضربنا؟ يعني حكم القوي على الضعيف؟ “.

تركنا حلب جميعاً، والذي بقي فيها؛ غرفة تحمل من الذاكرة ما يؤلمنا، صورة مع الشمس وكأس القهوة، شجرة الحاجز العسكري، وباب مخلوع من كثرة القذائف.

منذ يومين، في مدينة “عينتاب” التركية، يكلمني صديق. مكالمة لا تتعدى الدقيقتين؛

– شلونك؟

الحمدلله، انت شلونك؟

– الحمد لله.

” هكذا، ماتت أحاديثنا. “

 

رحل ذاك الشتاء، ورحل الكثير معه، والان يعود من جديد وكل ما حمل لنا من ذكريات؛ هذا النص، بعض الصورة، ومكالمة مدة دقيقتين.

عن أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم