الصفحة الرئيسية / تجريب / والشَّارع الخلفيّ، لئلّا يَموت
لؤي كيالي|مقطع من تشكيل عن louay-kayali.com|

والشَّارع الخلفيّ، لئلّا يَموت

لا تكبرُ المُدنُ، لا تشيخُ،

تموتُ فجأةً، أو فجأةً، تبقى صغيرة وحلوة.
*

ومثلاً، أيّ أهميّةٍ تُبديها المُدنُ الصغيرةُ؟

كُلّ من يرحلُ سيقول: خرجتُ من سوريا،

مَن سيعودُ أيضاً: سأرجع إلى سوريا.
*

خرجوا من كُلِّ سوريا، سيعودون إلى كُلّ سوريا.

خرجوا من كُلّ سوريا، سيعودون إلى كُلّ سوريا.
*

و أيّ أهميّةٍ، أنّ هناكَ بائع بوظة “ختيار”  تُحبّهُ،
في شارعٍ صغيرٍ و”ختيار” تُحبّهُ،
في مدينةٍ صغيرة و”لَعوب” تُحبّها،
لكنّها غير موجودة على خريطة التوازنات العسكرية الدوليّة ولا تُعدُّ مركزاً تكتيكيّاً مُهمّاً لكي يحتلّها أحدهم أو لكي يُدافع عنها أي أحد.
*

تلك المُدن التي دُمِّرَت دون أن يحتلّها أيّ أحد،

تلكَ المُدن التي دُمِّرَت دون أن يُدافع عنها أيّ أحد،

تلكَ المُدن التي دُمِّرَت دونَ أن تأخذ اسماً على الـ”غوغل إيرث”،

تلك المُدن التي دُمِّرَت وهي تنتظرُ أوتوستراداً جديداً وشبكة كهرباء جديدة،

تلكَ المُدن التي دُمِّرت دون أن يرى أبناؤها الساحة الجديدة وحديقة النّبع،

تلكَ المُدن التي لم تُدمّر، لكن كُل أبنائِها ماتوا، فَماتت.

تلكَ المدن التي لن تمتلك بعد الآن مواليداً جُدداً، لن يَكنسها أحد، لن يدعوكَ أحدهم إلى عشاءٍ متأخرٍ فيها، لن تمرّ بها في رحلتك الاستكشافيّة ثُمّ تقول للسائحة قربك: هذه من بقايا الحرب، لن يتم وضعها في خريطة الإعمار، لن يتنازعَ عليها تيّاران سياسيّان، لن يتم تركيبُ لوحات ترحيب في مداخلها، عجوزٌ بِعصاها ستلّوح لك من البعيد، أنت ستتجاهلها تماماً.
*

أنا من مدينةٍ صغيرة اسمها سوريا.
*

لا أعرفُ أحداً من بغداد أو من حيفا أو من بيروت، كُل من أعرفهم من العراق وفلسطين ولبنان.
*

أنا من مدينةٍ صغيرة جدّاً، عدّة بيوت مُلوّنة بالطين وموقفُ باص وشارعين: كبيرٌ رئيسي وضعت الحكومة فيه شرطيّاً، وصغيرٌ خلفيٌّ لتبادلِ القُبل وتدخين السجائر بالسّر، لكن هذا غير مهم، هو في ذاكرتي فقط، هم يقولون أنّني من سوريا، وأنا أصدّقهم، وأحاول ألّا أفقد ذاكرتي، لئلّا  تموتُ المدينةُ الصغيرة، والشارعُ الخلفيُّ لئلّا يموتُ، والقبلاتُ، وبائع البوظة، وحيفا، وبغداد، وبيروت، كلّها، لئلّا تموت.
*

أنا ابن تلكَ العجوز التي لوّحت لَك لأنّها لا تريد أن تفقد ذاكرتها، ولأنّك تريد أن تفعل ذلك.
*

أنا من مدينةٍ صغيرة جدّاً، أصغر من حُلم، أكبر من كُلّ هذا العالم.
*

..

عن طلال بو خضر

طلال بو خضر
كاتب سوري