الصورة: Pejac، عن صفحة الفنان على فيسبوك

الصورة: Pejac، عن صفحة الفنان على فيسبوك

مونولوج

– أخطأتُ اليومَ، ودعيتُ نفسيَّ لِشُربِ المتة.

طبعاً شربُ المتة يستغرقُ ساعات، طلبتُ سيجارة. فأعطيتُني

شَرِبتُ اولَ كأسٍ صامِتاً، الثاني، الثالث، صمت صمت صمت..

هذا الصمت ثقيل !

..

ثم بدأتُ أسمِعُني موسيقاي القبيحة، الصاخبة، السوداوية، العنيفة، العاطِفية جداً، فتحتُ معي حديثاً، لأتفادى الموسيقى، سألتُني عن أمي ، إخوتي ، حال أبي، ما تبقى من اصدقائي، بَدت إجاباتي عاطفية، مُضحِكة ، تجاهلتُ نفسي وغيرتُ الموضوع.

..

– بدأتُ أحدِثني عن آرائيَ في الحياة ومشاريعي القادمة، اكتشفتُ أنني شخصٌ جيد، قد يكون لي مستقبلٌ مُشرق!.

فكرتُ للحظةٍ، بألّا أنغَمِسَ كثيراً بالحديثِ معي، سأؤثرُ في نفسيَّ كثيراً، قد أدفَعُني لِلإنتحار، قد أُضيعني تماماً، رُبما من الأفضل ألا نتوغل أكثر.

..

– أحدثني عن حياتِي سابِقاً، يحكي يحكي يحكي، دونَ توقف

لم أتح لنفسي دقيقةً لِلحديث، أردتُ أن أتحدثَ أيضاً ، لم أسكت !

سألتُني : لِمَ لم تبدأ من جديد مادام لديك كُل هذه المشاريع الجميلة ؟

سألتُني : لِمَ لم تبدأ انت ؟

– صمت.

..

بَرُدَ الماء.

ذهبتُ لِأسخنه، فكرت أن أتهربَ مني ، أن أُحرِجني بسؤالٍ ما ، يجب أترُكَني و شَأني أشربُ متة و اسمع موسيقاي القبيحة، السوداوية،المزعجة بهدوء، لم أجد سؤال أكثرَ إحراجاً من :

– لماذا تتحدث معي ؟

لم اسأل.

عُدت، كالعادة، اسمع موسيقايّ التي اُحِب، الصاخِبة، السوداوية، العنيفة، العاطِفية جداً.

– سألتُهُ لماذا لا تُحاول تَغييرَ شيء ؟

لم اُجب.

– لماذا لا تحاول تجريبَ شيءٍ جديد؟

لم أجب.

الموسيقا صاخبة وعالية، قد أكونُ لا اسمَعُني.

..

أنتظرتني لِأبدأ الحديث، لم ارد مقاطعتي أثناء سماع الموسيقا.

بدأتُ يُحَدِثني مرةً اُخرى عن حياتِهِ سابقاً، لكن هذه المرة بِما يتعلق بِحياتهِ الشخصية، أعتَقِدُ أنها مُقرفة، هيَ ما أودت به الآن ليكون أمامي يشرب المتة الآن.

أردتُ أن أضرِبَني في أول الأمر، ثم ، تعاطفتُ معي.

لم أحتمل سماع ما تبقى، قاطعتُني:

لماذا لا تكف عن هذا الهُراء؟ يكفي لحد الآن هذا الحديث!

..

– بَرُدَ الماء، ذهبتُ لِأسخنه.
– قد أكونُ أحرَجته، لا أحب أن أحرِج أياً كانَ لأجلِ تفاصيلِ حياتهِ، هوَ حرٌّ أن يعيشَ كَيفَما أحِب، لا حق لي بانتقادي.

– قررتُ أن أعتَذِر.
..

– آسفٌ لإنني كَلمتَني هكذا، أعتَذِرُ مني، لا يَحِقُ لي مُكالمتي بِهذهِ الطريقة.

– لا مُشكلة، الوحيدُ الذي يَحِقُ لهُ أن يَنتَقِدَني هوَ انت، عِشتَ كَما عِشتُ تماماً، بحذافيرِ القِصة..

أحرَجَني، قليلاً.

……….

– الموسيقا اختلفت قليلاً، الآن هي موسيقايّ الصاخبة، السوداوية، العنيفة، العاطِفية جداً.

..

– تغيرَ الحديثُ قليلاً أيضاً، حدثتُني عن مشاريعيَّ، بَدوتُ مُتَشوقاً جِداً لِسماعِ القِصة، لكن عِندما انتهيت، لم أُبدِ أيَّ رَدَةِ فِعل، ولا حتى اِنتقاد، أظنُ أنني أعرِفُها.

..

– الماءُ بارِد.
– ذَهَبَ هو ليُسَخِنَها.

عن حسين الماغوط

حسين الماغوط
كاتب من سوريا