الصفحة الرئيسية / تجريب / حين لا ظل هنا/هناك
عمل للفنانة التشكيلية هبة عيزوق / من معرض جماعي أقيم في السويد

حين لا ظل هنا/هناك

ولدتُ منذُ ربعِ قرن، و كجميعِ حديثي الوفود لهذا الكون كنتُ بلا أفكار، ولأنني لستُ معجزةً ما، لم أتكلم ولم أفهم ما كان يقوله من حولي، لا أجزم بأنني أذكر حالة ولادتي، لكنني أتذكر جيداً أنه لم يكن هناك مشفى .

لحم و ظل، كتلة لحم وكتلة أنفاس ولا شيء أكثر، ظل للأشجار وللأغصان وظل لكل شيء، ولا ظل يعنيني أكثر، حتى ظلي .

سمعت صوت الآذان وطرقات رصاص ما، ألفت الرصاص أكثر أو على الأقل اعتدته أكثر من ذلك الصوت الذي كنت أخافه صغيراً عند الفجر، ظل الآذان يوجع في نهاية الأمر وظل الرصاص لا يترك مجالاً للدهشة أو التفكير بما يرتسم بعده  .

الوجوه التي أذكرها في طفولتي لا تحصى، كنها بلا أسماء، زحفت بعد شهور من ولادتي، على ظهري، على بطني، جانبياً، زحفت كأنني سمكة في حوض، أو سمندل في برية، كانت أفكار الغابة وروحها تسكنني، لأنني كنت على فطرتي، صغير من فصيلة الحيوان، إلا أنني أملك عقلاً ، أو هذا على الأقل ما يميزنا كما يظن الجميع، إلا أننا ما زلنا نزحف وما زالت أفكار الغابة سارية فينا .

حبوت كبطريق غبي، بفمي المملوء باللعاب وعيوني المحلقة ، كنت أميل، أتهاوى في كل محاولة، أقع وما زلت، كنت أحاول الطيران حينها، كما يحاول كل صغير، إلا أنني تخلصت من الفكرة حين وصلت أول مرة بدون سقوط ، كان المشي وقتها رقصة باليه بلا ايقاع، يا الله كم هو جميل ذلك الشعور، أن تصبح قادراً على المشي، والقدرة على نسيان الزحف .

لعبت في كل شبر من أرجاء البيت، علامة قراصنة على كل جذع وكل حائط، تحت التينة أول قصاصات ورقٍ أحرقتها وأول عود ثقابٍ، وأول الأماكن تبدلت، الملعب الترابي أصبح مصنع إسفنج ومكتب لبيع السيارات، المشفى الذي ظننته مسقط رأسي ما زال كما هو، لكنه لم يزل المكان الذي تمنيت العمل به مرة أو على الأقل العيش فيه .

دائماً أقول “تبدأ معاناتي باكراً”، كلما حاولت تذكر شيء ما، أجد نفسي  منهمكاً بشرح معاناتي، التلفاز وبرامجه الرثة، الحارة وأولاد يظنون بأني فتى معاق لكبر فمي ورأسي، المدرسة حيث عرفت معنى الانحياز والمحاباة ورأيتها جلية مع أولاد المعلمات.

تباً، كان أميراً ما، كل شيء يحوزه هذا المدعو ابن المعلمة، دكتاتوراً صغيراً، أكرههم من حينها، الكبير منهم والصغير، الذي يملك جيوباً للعلكة ومن يملك جيوباً لمال الشعب المسروق، الذي يترك ألماً في نفوس الطلبة تباهياً و الذي يترك ألماً في البيوت لصون كرسي أو حماية مكانة.

كما أنني لا أجيد الرسم، ولا اللعب بالألوان، حتى كرة القدم تسلية لا أحبها، لا أظن أني كذبت عندما أجبت وأنا مكبل ومعصوب العينين، كان صوت المحقق أقرب لمدرس لغة، رقيق وحاني مقارنة بالعشرة رجال الذين اقتادوني اليه .

 حدث ذات ربيع بعد ولادتي بعقدين، أنني انتبهت لضياع ظلي، منذ ولدت لم ألقِ بالاً لمرادفي القاتم المعتم، كنت أمشي دائماً، أنظر في وجوه المارة،  أقرأ لغة عيونهم، أحاول أن أمنعهم من الضحك على شكلي الغير متناسق، في ذلك العام قرأت رواية “المسخ” لـ “كافكا”، أكثر ما نبهني لأبحث عن ظلي هو فكرة الرواية التي كانت في كل صباح تضعني أمام المرآة لتفقد هيئتي، أو على الأقل لمعرفة كيف أبدو وكم صار مهماً أن أخلع لحيتي أو أخفي صلعي، شيء من بعيد رسم ظلال المكان، هيروشيما الجديدة في وطني، أو على الأقل شيء قادر على صنع الفطر الدخاني كما يطلق عليه العامة، هل هرب ظلي حينها .؟؟؟

تحت الوسائد، وأسفل السرير، في زجاجة العطر اليتيمة، في كل شيء يحيط بي، رتبت الغرفة لأول مرة منذ شهور، خرجت للشرفة، خافت مني الطيور والقطة التي كانت لا تعير للحياة اهتمام، ألأنني بشع هربت ؟ أم لأني شخص غريب بلا خيال مرمي أمامه أو وراءه …

على درجات المنزل، تحت القطعة المعدة لأحذية البشر، خلف الشتاء العابر بلا ظل، في ذلك العام لم يكن هناك تشرد حولي، أجزم أن أزمات النزوح واللجوء والفرار لم تشجعه على الهرب، حتى الخطف والقتل والمرتزقة والهتافات لم ترعبه، كل شيء كان جميل , أشبه بمباراة يتصافح بعدها الجميع حتى الحكام، آه الحكام !!

لن أقف مطولاً عند هذه الكلمة، ولكن لو كان ظلي حاكماً، لأرداني قتيلاً متى شاء، أو على الأقل لأجبرني على الابتعاد وبقي هو.

في الحديقة التي ملّت البشر والأعلام وهتافات لا تشبه بعضها، بكل شيء هم بشر إلا الروح، تحت مقاعدها المتناثرة، خلف أشجارها المتنوعة، تحت صنابير المياه ومراحيض العموم، لا شيء يشبهني بقي هنا، حتى الذكرى التي تبنى على حرفي أبجدية وقلب حب حفرناها على شجرة ما، اقتلعوها وجعلوا منها حطباً ليتدفأ أحد الكبار، في كل انش من باصات النقل الداخلي، في كل منعطف بأضواء وبدونها، بكل ما يحيط بإشارات المرور، حتى على الأرصفة حيث كنت أترك “قناني العمر الفارغة” لم يرتسم لي ظل، ولم يغادرني هناك.

 بحثت في كل مكان، لم أجده ، بين طلاب الجامعة الذين اعتدت قراءة عيونهم، لم ألحظ تغير في نظرة أحدهم، تلك النظرة التي تمنيتها اليوم على غير عادتيـ أن تكون عيونهم تقول “ها هو الأحمق الذي ترك ظله في المكان الفلاني”،  أنهيت ما أنهيت حينها، محاضراتي، نظراتي في عيونها، في تموج شعرها، كوب الشاي الرخيص و دفاعي عن الناس ، في أي طرفٍ كانوا، أنا نفسي لا أذكر وقتها على أي ضفة كنت!

خرجت من الجامعة، طريقي الذي ملّني، خطواتي التي مللت، وجوه البشر الذين يلاصقون الأماكن والذين نظن في أغلب الأحيان أنهم حالة مخابراتية متنكرة .

وأمام حائط ما في ذلك اليوم، أُخذتُ عن طريق الخطأ إلى العتمة، صوت المحقق الحاني، مغماً معتقلاً مكبلاً، لأول مرة في هذه الحياة، لآخر مرة أيضاً، عيوني التي اتسعت محاولةً فهم ما يحدث، بدأت بالتأقلم مع الدمع الذي حاولت جاهداً إخفاءه.

الضربات أخذت تتكاثر، الرعشة، البصاق، الدماء، ترنّحت، آخر شيء أتذكره يومها، صوت ارتطامي بحديد العربة المصفحة التي رميت بها كـ كيس قمامة,

لم أقل يوماً بأنني نمت، أو أنني كنت طبيعياً، كما كنت أعتقد أني طبيعي، لكنني لم أعرف تهمتي حتى الآن، أخبرت البشر أنني أحد الذين اقتيدوا بالخطأ، ولم أكذب.

“مين يلي رسم ع الحيط ؟”هل هذه تهمتي، بدأت أفهم ما يُقال أكثر، بدأت أشعر بألم في الجمجمة، بدأت أعرف ما حل بي.

“الحائط يا ابن الخيانة”، كنت أسندك لتسندي، وأنا حائط قصير، لم يُكتب فوقي، كل أبناء الحجارة تعرفني، بعضكم ألِف جلوسي، ورائحة سجائري، وكرهتم رائحة بولي في تلك الساعات المترنحة.

لا أذكر أنني كنت بجانب رسم، كان حائطاً فقط حتى السيارة لم أرها، كانوا عشرة رجالٍ وعشرين جزمةٍ،  وسيارة، وكان الحائط، يومها كنت شخصاً يشبهني حدّ التطابق، مكسور الانتماء، بلا روح، دموعه منسية، متروكة على طاولة ما، إلا الظّلّ…

“أين ظلي ؟ أين نسيته ؟ فارقني أم فارقته؟”

عندما انهالوا عليّ بالضرب، ظننت أن التهمة كانت “شخصٌ بلا ظلّ”، كانت أقدامهم تدهس كل شيء  حولي، ولا تدهسني،هذا ما تمنيته فقط .

سالت دمائي وكلماتي وأفكاري، فرغت مما أملك، سقطت لغتي مع أسناني، تبغي وخمرتي ولعابي كلها على الأرض، أشكر القدر أن القوم لم يروا صورة لوركا على الحائط في عيوني، وهي تردد وتخط على الكون الحجري أمامها بعض اقتباساتٍ، عن رملٍ أبيضٍ وكاميليا كعطر الفتاة التي ظننت أني فارقتها إلى الأبد.

واصلوا التحقيق، تكلمت عن كل شيء يريده، ولا أريده، ذكرياتي، الماضي والحاضر، خفت أن يقول لي : ماذا سترى في المستقبل ؟ فرِغتُ منّي،  من اللغة، أجوفٌ معتلٌّ، القيد حرفة علّة في الكتب فقط، عليه اللعنة، القيد قاتلٌ أكثر من رصاصةٍ طائشة، اللعنة على صغار الكلمات وكريات الدم البيضاء والحمراء، و بعض أفكار متعلقة ببعضها سحبتني إلى ما لا أستطيع شرحه، تسلّلت الأفكار عنوةً.

“لا تبكِ فأحزان الصغر”، أهذا وقتك يا شيخ ؟ أغاني إمام سيطرت عليّ، جثوت على دمي وحرفي يابس، ممزّق الشراع، وظلّي حيث تركته ما زال أخضراً.

استلزم الأمر تحقيقاً مطوّلاً، وتعذيباً أطول، لأفهم تهمتي، والجدار الحقير الذي باعني كما باع غيري.

لطالما كان الرسم على الجدران لا يغري روحي، قد أفرح بالإنجاز، لكنّي لا أحبّ هذا النوع الفني، أحس بزحمة الالوان فيه، أننا في جلسة تصفيق عربية، أنا كنت أريد جداراً لعبارات السكارى والسابقين من العشاق، عبارة من فحم وعرق فقط، كحال القضايا البسيطة، لا تقبل الشرح، واضحة كالبيان الإلهي “الانسان أخو الانسان”.

هل كنتُ وظلّي اسماً على ذلك الجدار؟ هل كان إليوت وصخرته الحمراء جدار الوشاية ؟ حينما فرغوا مني ووضعوني في منفردة معزولة تماماً، نقشت تلك الكلمات على الحائط بأظافري .

أمي على ألسنتهم دائماً، كنت أوشك أن أنتهي، روحي مركب سكران ليت رامبو يقوم بإخراجها، كما كان دوماً شاعراً بكل شيء، كان حاضراً أمامي، جملةً واضحةً، “لسوف أريك الخوف في حفنة تراب” رأيتها في عيون قتلة ومعذِّبين، في صوت العظام المتكسرة على الجدران حولي، والأرواح التي فرت للنجاة من البطش تاركة ظلها على جدران الزنازين.

 لا لا… لست بطلاً ولا مثالاً يُحتذى به، حتى عشقي وحبي خداعٌ بصريّ، لا يصلح للذكرى، فاشل كدعايات للإعلان.

من أنا وما أنا ؟

قد أكون كما تقول الهوية، قد أكون رقماً في مصفوفةٍ، قد أكون ظلاً منسيّاً تركه أحدهم، ولكنّني لست ظلّاً ولا أملك ظلّي، تمرّدَ ،هربَ!!!

أين هو ليكلمني، ويمسح عني بعض الدم ، هل صار مقاتلاً على الجبهات؟؟ أم سجاناً في الاقبية؟؟

 ظلّي حرٌّ، وأنا محضُ مثقلٍ بالهمّ سال دمه بجانب حائط للورطة.

خانتني الجدران، وها أنا أقدم اعتذاري للنهر وللمطر وللوادي والعشب، كنت أرى أن الخيانة تأتي من الأحياء.

قبل عقود كانوا يخافون الجدران، وكانوا على حقٍّ.

وشى بي ابن الحجر لأصحاب الأرواح والقلوب الحجرية.

أسلافنا ألِفوا النهر، أحبّوه، وكرهوا الحجارة، لم يبقَ من تلك الحقبة سوى ظلالٍ، وأجيالٍ تُسّمى جيل الأبناء لا تشبه ما مضى أبداً.

فكّوا وثاقي، بعد أيام . كانوا يرونني عبد الفن، وعبد الجدار، وعبد الظلّ.

لا صنم لي، حقيقةٌ لزمت ثلاثة أيّامٍ لتُصدقّ.

كانوا يقولون: “نحنا منعرف عنك أكتر منك”

 تمنيت لو سألتهم عن ظلّي، أو عن سجن الظلّال ومنفاها، النور، الشمس، تكرهني والريح تأنف من مروري بها.

التكسي لم تعرف ظلي، الجامعة لا تملك فكرة عن غيابي، ولا تملك أخباراً عن الهارب منّي، أمّي، أبي، إخوتي، جيراني، بلدي، ثورتي، قوتي، ضعفي، ديانتي، مِلّتي، دينهم، مِلَلهُم ،سلاحٌ أرفضه، سلاحٌ يرفضني، كلّ شيءٍ يحيط بي، كلّ فتاةٍ سواك يا فتاة، كلّ فتاة هي أنتِ، لم يجدوا ظلّي، و أجزم أنهم لم يعرفوه منذ البداية.

صرخت بظلّ الحياة، ربّ الحياة، هل الحياة “ظليييييييييييي” لم يعد.

 ما بين دمشق وحلب، وطرقاتٍ عبرتها، أفكار حفرتها في البال، حواجز الدنيا كلها لم تعد لي، شيء من العتمة التي تتركها الشمس أمامي أو ورائي، على يميني أو شمالي.

هربت بعدها بعامٍ أو أكثر، كما هرب معظم الصحب والرفاق، أصبحنا “الهاربون بلا ظل “.

في الغربة وسنة كاملة، بيروت المنفى، بيروت الدهشة،  تماهيت مع الشتات، أصبحت هوية ال لا هوية، بتّ عارفاً بأن حمقى الأرض من يرضون ظلالهم هوية، النوارس حطت بالمنفى على شاطئ للحمقى وزيوت البحر وصمت الشعراء القلائل، تحمل خفايا البحار والموانئ، كلّ شيء هنا في المنفى يحيط بك كغريبٍ، حتّى الغريب مثلك يحيطك بغرابتك.

الأحراش تصرخ من بعيدٍ، حفيف أشجارها يشبه الإنذار بهجومٍ، المباني التي جعلنا ظلالها أملنا الأكبر ستأكلنا يوماً.

كلّ الأمور بعد أعوام القهر والضياع  لها رائحة ظلي، في ذلك الغروب بعد عامين ونصف، أتت النوارس خفيفة الوقع، بجوانحها ريحٌ تشبه ريح السجن وذكرى الجدار، عانقت الريح،  ملمس الذكرى ما أحلاه، وما أقبحني بلا ظلٍّ، بلا كلّ شيءٍ اعتادت عليه، ارتبَكتْ، خافت مني وابتعدَتْ، صرختُ ودمعي المضنى يهزمني “هل أنا ظلٌّ أم أنتِ؟”!!!

أجابتني من خلف الأمواج  أصواتٌ أعرفها، تاركةً في الأفق صدى، كانت من قاع البحر تأتيني، من الرّمال تحت أقدامي، من لون الملح في الغروب، تأتيني كأنّها أصوات الظل الذي ما زلنا نكتبه فوق الجدران ونرسمه، أو نتركه دماً في قبوٍ للتعذيب.

عن محمد حاج حسين

محمد حاج حسين
كاتب سوري