الصفحة الرئيسية / تجريب / لأنّ الغياب محو عنق
فرنسيس بيكون

فرانسيس بيكون - ثلاثية 1972

 

لأنّ الغياب محو عنق

الشَمُّ غريزتكَ الأبقى، أنتَ حيٌّ لأنّ لكَ رائحة و لأنّك تخافُ أو تحبّ روائحَ أُخرى،
الروائحُ كُلّها عارية لا سبيل لتغطيتها، أنتَ جسدٌ من العِطر،
كلّ شيءٍ حولكَ قطيعُ روائح تتربّصُ بك،
اللحمُ النيء يُصِدر لهيباً ناعماً فقط إن كان يَقطرُ دَماً،
عيناكَ تتبعانِ الرائحة، يداك تلمسانِها، تُمسكان العطر، فمُكَ ينهَشُه،
ثمّ، ها أنت، وحشٌ يرتدي ياقةً من ماءِ العُنُق.

*

رائحةُ العُنُقِ عَلامَة، رقم، اسم، تشكيلٌ يخصّك،
رائحتهُ هي أنت بِلا أي إضافة.

*

الشَمُّ ذاكرةُ القُساة،
أولئك اللذينَ يستطيعون مَحو ذكرياتِهم لن يستطيعوا محو روائح من أحبّوا،
الشّمُ ذاكرةٌ قاسية ، تقتُلكَ ولو كنتَ فأساً فوقَ تلّةٍ من الخَشَبْ.

*

الشّمُ قصّةُ حُبٍّ صغيرة بِلا كلمات أو ذكريات، قصّة حبٍّ مع غريبٍ يمرُّ قربك،
أنتَ مسحورٌ تماماً، مأخوذٌ مُسَرنَمْ، حتّى لو الغريبُ اختفى.
الشَمُّ قصّةُ حبٍّ خالصةٍ و جِنسٌ مُتوّحشٌ مع غريب، لا أحلامَ و لا ألم.

*

الشَمُّ ثقبٌ زمنيٌّ فجأةً يَعبُرك: مِمحاةٌ صغيرةٌ تقاطعُ عُزلتك، وفوراً، تعود نفس النّعِسَ فوقَ المقعد الخشبي، دفاتِرُك فارغة، الأستاذُ يقول اسمك، أصدقاؤكَ يضحكون، ترتعدُ، تُمسِكُ الممحاةَ التي ما زالت تنطقُ اسمك، تأكلها، تقتلها، ترميها، لكنها، مثل بقية الروائح، تغيب ولا تموت، تسكنك، تموتُ بموتك.

*

الشَمُّ ذاكرةٌ من المُدن التي تَسكنها و تقتُلك، تعبُرُ كأنّكَ نَجوت، ثمّ، في بيروت، تُصبِحُ أبلهاً تماماً، و تقولُ : أشتَمُّ رائحةَ دمشق، وفي غيرها، تشتمّ رائحة بيروت، ومع كلّ رائحة جديدة، هناك لبّ يصحو بك، شوارع، مدائنٌ من القسوة تغتالك يوميّاً دون أن تقتلك، تلهث فقط، لا تصحو و لا تنام.

*

الشَمّ غريزةُ النَجاة، لا شيءَ حولك، القَمَرُ ورديّ، صامتان أنتما كأنّ لا أحدَ سواكما يقطنُ كلّ هذا المرج الغامق، لكنّك فجأةً تقول: فلنرحل الآن، أشتَمُّ رائحةَ موتٍ هنا، رائحةُ وأنت معي تدفعني لأن أصيرَ قاتلاً بالأسنان وحدها.

*

الشّمُ لا يأبهُ بكلّ تقنيّاتكَ في الكذب مهما كُنتَ مُمثّلاً بارعاً، تدخلُ المنزلَ متراقصاً، تبتسمُ وأنت المنتصر في كُلّ حروبك، تُطلقُ بَعضَ نُكاتكَ الرديئة، تضحكُ وحدَك، تخلعُ ثيابك بتمهّل مع دندنة أغنية سخيفة، صمت، صمتٌ طويل و سيجارة، تسألكَ هي بهدوء: أي يا عزيزي، قل لي الآن، ما بِكْ؟ رائحةُ الكذب أصدق من مسرحيّتك اللطيفة.

*

الشَمُّ شوقٌ لا يموت، يتكيّسُ كشرنقةٍ تسكنُ أنفك، ثمّ، أنتَ تمرُّ قُربَ عَطّارٍ في شارعٍ لا تعرفه، تتباهى أنّكَ لا أحد، لا اسمَ و لا ذكريات، مُجرّدُ ذئبٍ يتربّصُ بالروائح الغضّة، فجأةً، “كريستيان ديور” يُمسك ذراعك، ضَربةٌ مفاجئة على الجبين، تسقط: قف يا تافه، لن تستطيع الإفلات أبداً، هاكَ ثديُ حبيبتك اختنق بهِ في فمك. “ماجي نوار” يركُضُ خلفهُ، يقفزُ عالياً ليهبطَ فوقَكَ و يصفَعك بعنف: أمّك تُسلّم عليك يا نذل، خُذ ، هذي يداها، احفظها داخل كَبدِكَ جيّداً. “هيريرا” يضحكُ من بعيد، يُشعِلُ سيجارتهُ ثم يرمي أمامكَ كنزةَ صديقكَ الميّت، يبصُقُ ثمّ يبتَعد، أنتَ على الأرضَ حُطام مفتّت بلا سلاسل، تمدّ رأسَك لأجل أن تفلت، تحاول الزحف، لكن، السيّد “بروت” ببذلته السوداء الطويلة يقفُ أمامَك، هو غاضبٌ جدّاً، يتحرّك ببطء، يقترب منك، يتوقّف، ثم بهدوء، يُخرِجُ زبّهُ ويَشخُّ فوقك، حولك، قربك، في فمك، في أذنك، في عينك، في أنفك: هل تشتمُّ هذا؟ هذا أباك، لا تنسى هذا يا جَبان .

*

لا بأس، أنتَ حُرٌّ الآن، مجموعةُ عطورٍ حاصَرتكَ قليلاً، ثمّ أفلتتك، هذا فقط كُلُّ ما حَصَلْ.

عن طلال بو خضر

طلال بو خضر
كاتب سوري