الصفحة الرئيسية / تجريب / كِتَابُ الحربْ
مقطع من تشكيل لغيلان الصفدي. عن موقع فيسبوك
مقطع من تشكيل لغيلان الصفدي. عن موقع فيسبوك

كِتَابُ الحربْ

 -1-

 غدا تبدأ الحرب وتجمع الأفعى ذيلها في الظّل و تبتلع سُمها

 -2-

 غداً سوف يَجمعُ الجنودُ ذخيرتَهم، و يسبقونَ القدرَ الى هُناك،

حيثُ تجلسُ المعركة في الظّلِ

و تُسندُ ظهرَها المكشُوف الى جذعِ شجرةٍ

 -3-

وغداً سوفَ يصلُ بريدُ الجثثِ الى الله،

 كل جثة ستبحثُ عن بقيتِها في صندوقِ الأمانات ِ،

و يصلُ بريدُ الآلامِ و النّياشِين والأغاني الوطنيةِ الـمُفَضضة إلى الأهل

  -4-

عندما تبدأُ الإذاعاتُ بِبَثٍ مُشوشٍ من الآخرةِ

ومُراسلونَ بـخوذاتٍ فسفوريةٍ تَحمي تلك الرؤوسَ من أفكارِ العدوّ و مُراهناتِ القَنّاصة،

سيَقعُ العالمُ على ركبتين مُمزقتين و يبدأُ بالنّحيبْ

 -5-

تحتَ القصفِ ستكونُ كلُّ النظراتِ المغبرة؛

وتحت القصفِ سيضعُ المصورُ عينهُ الوحيدةَ وراءَ الكاميرا،

و يحرّكُ المشهَد يميناً و شمالاً و ينقّي كلَّ لقطةٍ من خَجلِ الطّبيعةْ

 -6-

 سوف يزحفُ الموتُ على بطنهِ تحتَ الأسلاكِ الشائكةْ،

وتلمعُ خوذتهُ تحتَ ضوءِ قمرٍ،

ويجمع أنينَ الجرحى على أسطوانةِ  “سي دي” بلا تَهويةْ،

يشمُّ رائحةَ الألغامِ التي تُشبه رائحةَ الفطرِ الفاسدْ

-7-

ستقفُ بساقٍ واحدةٍ

وتنظرُ إلى الوراءِ كالعقابِ

ولنْ ترى سِوى الدُّخانَ الاسودَ الذي يسيرُ ورائَها : إنَّها الحربُ

-8-

لا نعرفُ أينَ ستُلقي بنفسِها الطائرةُ التَّالية،

لكنّنا سنَذهبُ لجمعِ الذّكرياتَ وأَخذِ الصّورِ،

سنكون هُناك بين الرّكامِ و هَلع الطّيارِ الذي قَفزَ بمظلتهِ

في مشهدٍ بحريٍّ فاقتحمتهُ الزّرقة ُ

 -9-

غداً ولشيءٍ تافهٍ ستبدأُ الحربُ،

الأعمال ُالجليلةُ كانتْ دائماً لأسبابٍ مجهريّةٍ و تافهةِ الخُلقة،

لذلكَ الشّيءِ، سيترُكُ الجنوُد أحضانَ زوجاتِهم فارغةً كشتاءٍ،

وشَاياً يبردُ على مهل ٍ

ويَشّدونَ ظَهرياتِهم الثّقيلةَ و يُغادرونْ

-10-

عندما يبدأ القصفُ وتحومُ الطائراتُ

نَستلقي و نَنظرُ الى السَّماءِ،

السّماءُ الصّافيةُ

هيَ الشيءُ الوحيدُ الذي يَملأُ عينَ مقاتلٍ يسلتقي في خَندقهِ

ويتوسَّدُ نصفَ القذيفةِ التي يَتخيلها زَميلهُ في الخندقِ المجاورْ

-11-

في الليلِ،

سيضعُ القائدُ خوذتَه على ركبتِه،

ويَحكي لنا عن “صدرِ بَعلْ”،

وفيْلهِ الذي حملَ “بيكولا” و مضى شرقاً يتبعهُ نهرُ ” إبره” …،

لكنّهُ سينامُ قبلَ أنْ يَصلَ النّهر سَرقسطةْ

  -12-

عندمَا نَرى الغُربانَ تحومُ

نُغطّي جراحَنا ونعرفُ أنّ رائِحتها وصلتْ إلى السّماءْ،

لن نسمعَ بالهزيمةِ تَشقُّ ثيابَها بينَنا،

لقدْ تَركْنا بعدنَا هُنا

أقسَى ما سَيجدُ العدوّ،

اليأسَ الذي أذبلَ قلوبَنا

 -13-

جُورنيكا لن نَحتاجَ لتلكَ الرأسِ الـمُحَرَّفة،

كي تقولَ لَنا ما لا نَعرفُه،

لقد جَرّبنا الموتَ في الغُرف الـمُعقّمةِ التي تُصيبُ الـملائكةَ بالضَّجرِ و النّعاسْ؛

نُريدُ مِيتةً واحدةً وخاطفةً

كظلِّ قذيفةٍ عمياءَ في الظّلامْ،

نُريد موتًـا سَريعاً

وكأنّنا نُبرقُ بأرواحِنا إلى السّماء،

وهناكَ من سَيُخَطِّط ُ لوحةً بألوانَ باليةٍ ، لينْتَحلَ التراجيديا.

  -14-

تصلُ العرباتُ،

ويُلقي الجنودُ عتادهمْ ويقفزونَ وراءهْ،

إنّها الحربُ ياصدِيقي؛

عندها يصبحُ العالم ُ بحجمِ ما تتذكّرهُ طائرةُ استطلاعٍ،

و يصبحُ الأفقُ دشْمةً كلّ ما أمامها يُسمّى العدوّ.

-15-

وليام هنري أرفيان شكسبير : المستشارُ العسكريُّ، آمرُ المدفعيةْ

مُلهِم التّاجَ، مُستكشفٌ، أو جاسوسٌ أو خبيرٌ عسكريّ؛

عندما يلتفتُ وراءَه ستكونُ الرّصَاصةُ قد نفذتْ

مع آخرِ أنفاسهِ كتنهيدةٍ شاهقةْ،

حُمِلَ الرأسُ المقطوعُ في خوذةٍ مُرقعةٍ و عُلّقَ على بابِ المجيدي،

أمّا القبرُ، فقدْ أصبحَ مَحميةً صغيرةً تجاورُ برجَ الحمراءْ

أيّها العقيدْ: لقد وصلَ الرأسُ ولكنْ لم تُفتحِ الرسالةْ

-16-

عندمَا، تبدأُ الحربُ،

سأضطّرُ لجمعِ كلِّ الأفكارِ التي يُرسلها العدوُّ في قفصٍ واحدٍ

وإرسالَها لصديقتِي،

فبرغمِ شعريَّةِ الحربِ،

تبقى بعضُ الأفكارِ أكبرَ من القفصْ،

وبعضُها الآخرُ أصغرُ منْ أنْ نَحمِلها بنظرةٍ واحدةْ

 -17-

عندما نُريد أنْ نقول شيئاً مُتقناً عن الحربِ

يجبُ أن نقولهُ و نحنُ نحتضرُ في عربةٍ مُحترقةْ

 كنّا نَعتقدُ أنّها تتذكرُ طريقَ الجنّة

فَهوتْ بنا إلى الجَحيمْ

 -18-

عندمَا أكتبُ عن الحربِ

 فأنا لا أجمعُ ذكرياتِي قطعةً قطعةً من ساحةِ المَعركةْ،

و لكنَّني سجينٌ في هذهِ القلعةِ التي تُشبهُ حافرَ شيطانٍ،

وهذهِ الكوابيسُ

طيورٌ سوداءُ تُلقي بِنفسها في نَومِي

عن حمد الفقيه

حمد الفقيه
شاعر سعودي