الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / “إذا أردنا أن نعرف حال الكاتب في سوريا يجب أن نعرف ماذا في الدراما”
كاريكاتور بريشة السوري سعد حاجو للراحل نهاد قلعي

“إذا أردنا أن نعرف حال الكاتب في سوريا يجب أن نعرف ماذا في الدراما”

“إذا أردنا أن نعرف حال الكاتب في سوريا يجب أن نعرف ماذا في الدراما”

كلنا نتذكر هذه العبارة التي كان يرددها الفنان نهاد قلعي بدور (حسني البورظان). شخصية الكاتب الصحفي السمينة الطيبة النبيلة الساذجة التي تشكل مع غوار النحيف صاحب المقالب ثنائيا كوميدياً. البورظان طيلة الوقت يقع في الفخ مرة تلو الأخرى، يصبح مثاراً للضحك والسخرية، وهو يردد ذات العبارة بنبرة كأنه يكتشفها للمرة الأولى أو كأنها مفتتح لكل المواضيع “إذا أردنا، أن نعرف، ماذا في إيطاليا.. يجب أن نعرف ماذا في البرازيل”. وكل المشاهدين بلا استثناء في صف الأزعر الطوشة الذي تبرر دوما غايته وسيلته! كان هذا أول ما تبادر لذهني وأنا أفكر بشخصية الكاتب في الدراما السورية.

 

الذاكرة تعتقد ومن ثم تتذكر، جملة مثل الحكمة يعيدها صديقي على مسامعي مقتطفا من رواية “نورٌ في آب” لوليام فوكنر. أتراني أبني رأياً سلبيا حول صورة الكاتب السوري كمناصرة للثورة السورية، ككاتبة عاشت عن كثب معاناة الكتاب السوريين وأنماطهم، صراعهم من أجل كلمة الحرية، واجترارهم لها في قصائدهم كأنها “The master key” أي المفتاح الشامل لكل أحلامهم، ثم انقسامهم عندما جد الجد وحقّت الحقيقة! فتأتي الصور كلها على هوى رأيي الأساسي؟! في هذا المقال سأختار نماذج مما أسعفتني به مشاهداتي كمتابعة للدراما السورية، بلا قرار مسبق بالإشادة أو الإدانة. سأضع النماذج المختلفة ورأيي أمامكم للنقاش والأخذ والعطاء.

 

 

الفصول الأربعة

  في مسلسل اجتماعي شهير عنوانه “الفصول الأربعة” تأليف ريم حنا ودلع الرحبي وإخراج حاتم علي. استعرضت الكاتبتان الأسرة السورية بكافة أفرادها وتشابك علاقاتها وغاصت في النفسيات والدوافع والأفعال وردودها. وأعجب الجمهور بالعمل الذي تابعه كل السوريين على اختلاف مذاهبهم ومستوياتهم. ليس فقط لأنه ناقش وإن بسطحية أولا بأول مايعترض اللبنة الأساسية في المجتمع السوري من مشكلات ولكن لأنه أولى الشخصيات اهتماماً أكبر. ومن تلك الشخصيات أخذ الشاعر برهوم حيزاً كبيراً كأحد الشخصيات الرئيسية قام بدوره الفنان أندريه سكاف.

بدا الشاعر في هذا العمل مثل الصورة النمطية المتوقعة لكل الشعراء حسب نظرة المجتمع العامة، فقيراً لا يملك سوى عاطفته والكلمات. لكن المسيء في الصورة أنه بدا رغم طيبته وصولياً ومتملقاً دائما لعديله مالك بيك الجوربار صاحب معمل الجوارب. فمن أجل تأليف  دعاية إعلانية للجوارب نزولاً عن رغبة الصناعي الكبير، يتقاضى مبلغاً كبيراً من المال ويقبل النزول في فندق خمس نجوم ويكتب كلمات غاية في السخف. بلا مبادئ غير الحب لزوجته، لا تراه يكتب طيلة الحلقات شيئاً ذا قيمة. حتى أنه مثار لسخرية أفراد العائلة حين يقرر أن أيقرأ لهم شيئاً من شعره الذي يبدو دوما مفتعلا وركيكاً. بل إنه حتى في بداية حبه لزوجته يقدم لها قصيدة على أنها من تأليفه “إني خيرتك فاختاري مابين الموت على صدري أو بين دفاتر أشعاري” لتكتشف وهي لا تبدو أكثر ذكاء بالمناسبة، أنها مسروقة من نزار قباني، وعلى هذا السجال انقضت حلقة كاملة حول برهوم. عندما يكون كتاب المسلسل ومخرجه على درجة عالية من الثقافة ويختارون ويوافقون على بنية هذه الشخصية لتقديمها من ضمن أنماط المجتمع السوري، لا أستطيع كناقدة أن أتجاهل هذا الأمر، لقد كانت تحمل فعلا شيئاً من الحقيقة. فلا أحد ينسى النكتة التي يتداولها الناس حول الشاب لذي ذهب لخطبة واحدة من البنات، وقدم نفسه على أنه موظف وفي رواية أخرى كاتب فقال له الأب: معلش يا ابني الشغل مو عيب! الفقر ليس صفة سيئة عموما لعل من أجمل الصفات أن تكون فقيراً وعزيز النفس، وغنياً بالموهبة، لماذا لم يخطر هذا في بال كاتبتي المسلسل؟! إنها شروط الكوميديا يا أصدقاء.. طيب لنأخذ مسلسلا آخر غير كوميدي، لعل صورة الكاتب أتت أفضل وأكثر عمقاً.

الشاعر برهوم - مسلسل الفصول الأربعة
الشاعر برهوم – مسلسل الفصول الأربعة

زهرة النرجس

في مسلسل زهرة النرجس من إخراج رامي حنا، يقدم الكاتب خلدون قتلان ثلاث شخصيات للكاتب. الأولى قام بها الفنان عبد الهادي الصباغ. لنمط من أنماط المجتمع، أستاذ المدرسة الثانوية الذي يحلم بأن يصبح كاتب سيناريو تلفزيوني يجني من ورائه المال:

موفق: مدرس 12 ثانوية بالبلد وسنتين بليبيا.

هكذا يتفاخر موفق، لكننا لا نجده يعمل بجد ليحقق حلمه! بل نراه طيلة الوقت مثالاً للوصولية والانتهازية، وشخصية مستاءة ومدعية.

فلم يعنه من حالة القلق التي تعيشها زوجته بحثاً عن أختها نرجس المختفية من سنوات طويلة، سوى أن بإمكانه أن يكتب الحكاية الغريبة لهذه الأخت كمسلسل ليبيعه ويقبض ثمنه. وبدا منذ المشاهد الأولى أمام آلته الكاتبة يجعجع بلا طحن: الزوجة: شوبك موفق ليش عم تصعبها اليوم شكلو مو زابط معك الإلهام؟!

موفق: القصة إنو كل ما بفكر أكتب شغلة بقول لحالي بكرة الرقابة بتشطبا!!

الرقابة إذاً إما أن تكون بعبعاً حقيقياً، أو حجة لكاتب جبان كسول، لا يمكلك موضوعاً أصيلا للكتابة ولا حتى يمتلك أدواته ليمرر أفكاره. يحاول موفق الاستفادة من كل من حوله حتى أنه عوضاً عن نقاش أسباب رفض دخول ابنته إلى عالم الفن والغناء أو محاولة رعاية موهبتها والأخذ بيدها للطريق الصحيح ما الذي كان يريده حقاً؟

موفق: شو بدك بالموسيقى شو لح تفيدك؟ تعلمي طباعة بتصيري بتساعديني بالتنضيد!

في ختام المسلسل وبعدما لم يترك وسيلة للاحتيال من أجل المال، وتفشل كل محاولاته للحصول على إرث نرجس أخت زوجته وترفع عليه الزوجة دعوى طلاق؛ يصاب بالجنون، ويمشي بين السيارات في الشارع ينثر أوراق المسلسل وهو يهذي: مافي نصيب مافي نصيب..

لعل هناك من يقول هذه لا يمكن اعتبارها شخصية للكاتب في المجتمع فهي شخصية درامية  ولها شرطها الخاص ودوافعها. إذاً لن نبتعد كثيراً ولنعثر في ذات المسلسل على شخصية أخرى علها تكون أفر حظاً.

 

في ذات المسلسل تظهر شخصيتا شاعرين، مظفر وعمر. يتنافسان في الشعر وإدارة تحرير صحيفة “نجمة دمشق” التي تملكها نرجس أو (ندى) المطربة التي أصبحت رئيسة تحرير وكاتبة مقالات افتتاحية أيضا، ويقعان كلاهما في غرامها!!

مظفر، الذي قام بدوره محمد حداقي، شاعر يساري. يبدو شجاعاً ومغامراً في الحب والنشاط السياسي، بمساحة صغيرة للدور.

 

أمينة: ليش كل اللي بتكتبوه أسود وبيقطع القلب؟؟

مظفر: لأن يا أمينة الشغلات اللي بتفرح قليلة كتير. وأحيانا مندور عليها وما منلاقيها

نرجس: شو بتشتغل بالتحديد؟

مظفر: قولي شو مابشتغل، أنا يا ستي تنقلت من أجير حداد لبلاط لباطنجي لبياع فلافل لمدقق لغوي لصحفي بعدين عالسياسة بعدين عالشعر، وبأوقات الفراغ عندي محاولات للصعود إلى القمر.

 

حمل الكاتب خلدون قتلان أشعار رياض الصالح الحسين الشاعر السوري الراحل. مما أضاف للشخصيتي الشاعرين قيمة التعريف بأشعار رياض لجيل جديد لم يسمع عنه من قبل. لأن رياض توفي صغير السن في عام 1982، وأجاد كل من محمد حداقي ورامي حنا إلقاء القصائد.

يلقي مظفر في أمسية مشتركة مع عمر قصيدة : “نبكي على نوافذ تعاستنا منتظرين أن يأتي نهر الحرية لنشرب منه إلى الأبد”

لعب دور عمر مخرج العمل رامي حنا، بشخصية الشاعر العاطفية الانفعالية الصادقة. وعلى الرغم من رومانسية هذه الشخصة لكنها بدت ضعيفة أمام الحب وتحديات الحياة، حساسة جدا، سوداوية وانهزامية. فها هو يتخلى عن العمل عندما تفضل نرجس مظفر الجرئ الذي يمسك بزمام المبادرة لاستلام إدارة التحرير. بينما يتعذب عمر بحبه، فنرجس فضلت صداقته ورفضت حبه، ما دفعه للانتحار في يوم حفل توقيع كتابه الأول “سماء قريبة”!

يلقي عمر في الأمسية المشتركة مع مظفر من قصائد رياض:

“من سيفتح لي صنبور الحياة لأشرب

إذا جفَّ قلبي تحت هذه السماء الخائنة؟

من سيغنِّي لي أغنية في المساء لأنام

إذا وضعوا بين جفني صخرة مدبَّبة؟”

 

عدا عن قصائد رياض التي أدرجت بما يخدم الحكاية العاطفية، ووظفت لدعم شخصيتي الشاعرين، فلا يمكن أن نناقش أبعاداً أخرى تمس بشكل عميق واقع الكاتب السوري اليوم، ولا حتى في ذلك الزمان، عدا عن هروب مظفر بعد انتحار الشاعر عمر ليشارك في الحرب الدائرة في لبنان، ثم عودته متخفياً. الشخصيات وردت في سياق زمني في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ولم تدخل في صلب معاناة الكتاب آنذاك الذين تعرض كثر منهم للملاحقة والاعتقال في سوريا، وخاصة اليساريون منهم، مثل القاص ابراهيم صاموئيل والكاتب المسرحي غسان جباعي والشاعر فرج بيرقدار. المسلسل قدم أقصى معاناة الشخصيتين متجلية في انهزامهم أمام قصة حب فاشلة. ومرت قصائد رياض الصالح الحسين مرور الكرام مثل موسيقى خلفية. ربما كان هذا أقصى تحركهم في المجتمع، أو بتعبير آخر هذا أقصى ما كان متاحاً لكتاب الدراما ومخرجيه أن يتناولوه بلا مساءلة أو محاذير رقابية!

الكاتب موفق - مسلسل زهرة النرجس
الكاتب موفق – مسلسل زهرة النرجس

 

الولادة من الخاصرة

لنبحث في مسلسل درامي آخر، يكون أكثر جرأة، عن ضالتنا. يتضمن شخصية كاتب من الواقع أو من أنماط الواقع التي توضح معاناة الكتاب في مجتمع القمع. ولعلي أجد في مسلسل الولادة من الخاصرة ما أبحث عنه. قدم الكاتب سامر رضوان في مسلسله الذي أنتج في فترة ما قبل الثورة السورية نموذجين للكتاب.

الأولى هي الشاعرة سماهر زوجة ضابط المخابرات، التي لعبت دورها سلاف فواخرجي. يعتقل ضابط المخابرات المجرم الموتور سماهر لأنها أجهضت طفله:

سماهر: مستحيل جيب ولد بيشبهك على هالعالم.

يعتقل الضابط الطبيب، أدى الدور جهاد عبدو، الذي قام بعملية الاجهاض. في مستودع بعيد عن المدينة، يسأل الطبيب سماهر وهما مقيدان:

الطبيب: شو في، شو القصة، شو عم يصير هون، شو بدو يساوي فينا ومين هاد؟

سماهر: هادا الحاكم بأمر الله.

أجل ضابط المخابرات، الذي قام بدوره عابد فهد، ونموذجه رؤوف يتصرف في سوريا القمع على أنه الحاكم بأمر الله، عبارة جريئة وصادقة وتلخص كل شيء لنتابع إذاً الشخصية وما الذي يفعله ضابط المخابرات بأقرب الناس له في هذا المجتمع بلا عقاب أو محاسبة. والأهم ما يعنينا في هذا العرض كيف يعامل الكتّاب.

يجلب رؤوف والد ووالدة سماهر العجوزين إلى المستودع النائي ويقيدهم ويطلق عليهم الألعاب النارية، بل وأكثر، يحضر امرأة تقوم بوشم كامل وجه سماهر بالإبرة والحبر.

في هذا المسلسل لا يمكن المواربة في أن ما كان يحدث في سوريا قبل الثورة كان من جسم النظام الحاكم. فهذه ليست كوميديا وليست دراما تتستر بالماضي والتاريخ والفانتازيا أوالرواية المتخيلة. فصورة بشار الأسد في كل المكاتب وراء كراسي المناصب. وكأنه يشرف بنفسه على مايدور. تظهر شخصية أخرى هي الأستاذ الجامعي والكاتب صلاح، قام بدوره رافي وهبة، الذي يمكن أن يترك محاضرته ليرد على هاتف ضابط المخابرات رؤوف.

صلاح: أهلين سيدنا

رؤوف: دكتور الإجهاض حكى لحدا مهم بالدولة وفهمك كفاية.

صلاح: لا يكن لك فكر، أنا بخلص محاضرة وبمرق لعندك عالمكتب ومنعمل سيناريو مهم لا تقلق.

رؤوف: بدي شي جديد ومقنع.

صلاح: ولو عم نعمل سيناريوهات لمؤسسات كبيرة، شغلتنا صغيرة.

فماهي طبيعة السيناريوهات التي يكتبها صلاح؟

إن مهمة صلاح هي حبك قصص كاذبة ومُحكمة للإيقاع بأشخاص يريد رؤوف الانتقام منهم شخصياً مثل طبيب الإجهاض. فيدعي أن معلومات واردة تفيد بأن هذا الطبيب متورط مع أكثر من جهة خارجية، في كتابة مقالات صحفية كاذبة عن البلد، وأن هناك أمر باعتقاله.

المسؤول الكبير: بس الرجل عم يقول إنك اعتقلته منشان مرته؟!

رؤوف: العمى ما أكذبه، تعاملت معه بمنتهى الإنسانية، طلع مثل كل هالمعارضة التافهة يلي ما بتقدر الإحسان. اطلع عالملف رفيق وشوف بعينك..

من أبلغ المشاهد التي يمكن أن توضح الصراع بين فكر الشاعرة سماهر وفكر ضابط المخابرات المشهد التالي حين يقول لسماهر بأنها حرمته حقه في أن يكون له ولد:

سماهر: حقك تهين الناس وتستعبد كراماتن؟ حقك تذلن؟ حقك تستمتع بتعذيبن وتخوفن من كلابك؟

رؤوف: أنا عم بحمي البلد

سماهر: انت أكبر عدو لهالبلد.

 

تعود سماهر في ختام المسلسل وقد كتبت سيناريو لمسلسل درامي عما حدث معها، لكن المنتج يقول لها بأن الرقابة رفضته. وفي هذا الحوار الذي يجري في مبنى التلفزيون السوري كما يصور المشهد، يتضح أن أسباب الرفض تتلخص بأن الحكاية ليست واقعية ولا علاقة لها بالمنطق:

سماهر: كيف طلع معكن إنها مالا واقعية؟!

مدير الرقابة: مو معقولة ضابط يحبس مرة هيي وأهلها وما بعرف مين.. مابتصير

سماهر: يا أستاذ أنا عم قدم حكاية شو إلها علاقة إذا بتصير أو مابتصير؟!

مدير الرقابة: يا مدام الله يخليكي نحنا بدنا شي من الواقع، مسلسلك كلو محظورات فبدك تسامحينا.

سماهر: وإذا قلتلك إنو مسلسلي واقعي وكتير كمان

مدير الرقابة: ياستي قولي اللي بدك تقوليه، المهم نحنا شو نقول.

أسقط في يد سماهر. نظام البلد كله يسير على هذا النهج. فهي وإن أفلتت من قبضة رؤوف فأذرعه ممتدة في كل مكان، أذرع النظام الأخطبوطي الذي يحاوط كل شيء. تستشهد بمسرحية ضيعة تشرين، حين كتبت المرأة من الخوف والرعب في الهواء، عل نسمة تأتي وتأخذ الكلام إلى أسماع الناس. وسماهر تقرر أن تفعل ذات الشي فترمي من شباك إدارة الرقابة نصها الذي يحمل عنوان الولادة من الخاصرة من الشباك ليأخذه النسيم إلى الناس.

الولادة من الخاصرة هو العمل الوحيد الذي قارب الحقيقة وصور نموذجين للكتاب، كلاهما موجود في سوريا. على الرغم من أن كاتب المسلسل سامر رضوان لم يكذب لكنه جمل الحقيقة القبيحة كثيراً. حيث اعتذر ضباط آخرون لسماهر عما فعله بها رؤوف، وحاولوا معاقبته وتبرير فعلته على أنه مريض نفسياً؛ لكنهم أبداً لن يسمحوا للحقيقة الكاملة أن تخرج إلى العلن فأجهض مسلسل سماهر. وهاهو الكاتب الوصولي الأستاذ الجامعي صلاح يعود مرة أخرى ليقوي صلاته بضابط آخر. فالانتهازيون يعثرون دوما على حظوة لدى أصحاب السلطة الذين يحتاجون لسيناريوهات في دولة القمع. ينفعون ويستنفعون في بلد لا تصنع فيها المبادئ والأخلاق ثروات طائلة.

في مرحلة المخاض الأولي للثورة السورية، عرض مسلسل الولادة من الخاصرة الجزء الأول، الذي وافقت عليه الرقابة. لكن الكاتب في الأجزاء اللاحقة واجه الكثير من الصعوبات، خاصة عندما حاول الخوض في الأحداث التي جرت في سوريا بعد الثورة وأثناء الحرب، على الرغم من أنه حاول بجهد كبير إمساك العصا من المنتصف. والمخرجة رشا شربتجي انسحبت من الجزء الثالث، الذي صور بأكمله في لبنان وحمل توقيع المخرج سيف الدين سبيعي.

سيكون مفيداً بعد هذا المقال أن نسأل عن حال كاتب المسلسل سامر رضوان اليوم، وعن بعض ما عاناه ربما نعرف حقاً حال الكاتب الذي يجرؤ على مقاربة الحقيقة في سوريا. ولا أجد ختمة أفضل لمقال عن الدراما السورية من أن أطلب الحرية الفورية لكل من السيناريست عدنان الزراعي، والممثلة سمر كوكش، والفنان المسرحي زكي كورديللو الذين مازالوا يقبعون في سجون النظام السوري حتى ساعة كتابة هذا المقال.

الشاعرة سماهر ترمي نصها في الهواء- الولادة من الخاصرة
الشاعرة سماهر ترمي نصها في الهواء- الولادة من الخاصرة

عن نسرين طرابلسي

نسرين طرابلسي
كاتبة وإعلامية سورية. صدر لها المجموعات القصصية: في انتظار أسطورة، وأدرك شهرزاد الملل، بروفة رقص أخيرة. وفي النثر: حديث الخرساء