صور منزلية

الصورة: نوري بليجي جيلان. يوتيوب

-1-
وضع “أ” العجوز قدمه داخل خفه المنزلي فشعر بلسعة برد. اخترقت نقطة الماء جرابه الشتوي السميك، ووصلت إلى أصابع قدمه اليمنى. حاول أن يشتُم بصوت مرتفع لكن الكلمات لم تطاوعه، فاكتفى بصرخة متوسطة الارتفاع، شعر إثرها بتخرّش في حلقه. فتح باب الشرفة الخشبي ببطء واستشعر النسمة الباردة التي لفحت كتفه في البداية، ثم أخرج نصف جسده الأيمن.
كانت أرض الشرفة رطبة، وأيقن أن خفه سيبتل من الأسفل أيضاً، ولكنه تابع سيره نحو الخارج. لم يشعر بأي رغبة في إلقاء نظرة على الشارع في الأسفل، واتجه مباشرة إلى الزاوية حيث وضع جرة الغاز فوق قاعدة متحركة. قبض بكفه على رأس الجرة وسحبها مستجمعاً طاقته، فتحركت قاعدتها بسلاسة على الأرض الرطبة. كان المطر قد توقف منذ ساعتين لكن كل شيء كان مبتلاً.
استجمع طاقته من جديد متحضراً للمهمة الأصعب. أوصل الجرة إلى الباب، وتبقى عليه رفعها إلى الداخل لتجاوز الحافة الرخامية الصغيرة. أمال جسم الجرة على ركبته فامتص سرواله القطني المياه الوسخة الراسية على سطح الجرة. سحبها بكل قوته محاولاً فصلها عن قاعدتها، فنجح في مهمته، رفعها من جديد ودفعها مرة واحدة إلى داخل الغرفة، وأغلق الباب الذي كان يدخل نسمات ثلجية من الخارج.
أمال الجرة من جديد باتجاه جسده ورفع جزءاً من قاعدتها عن الأرض، ثم بدأ بدحرجتها بشكل دائري باتجاه المطبخ. أنجز الأمتار القليلة الأولى بسهولة، ثم اصطدمت قاعدة الجرة بالباب الفاصل بين غرفة الجلوس والممر المفضي إلى المطبخ. كانت الإنارة ضعيفة فلم يستطع التأكد ما إذا كان قد أفسد الطلاء البني الذي يغطي الباب الخشبي.
استمر بالدحرجة حتى وصل إلى عتبة المطبخ. شعر ببرودة البلاط العاري، وبدا المطبخ له أشد برودة من الشرفة، ولكنه استمر بالدحرجة متسلحاً بالعناد الذي شجعه على هذه العملية منذ البداية. اقترب من الغاز، حيث كان قد جهز جرة الغاز القديمة تمهيداً لتغييرها. فتح الدرج المعدني أسفل الغاز، وأخرج مفتاح الحل الفضي. انتهى الجزء الأصعب من المهمة، ولم يتبقى إلا الجزء السهل منها. أخذ نفساً عميقاً بنوع من السعادة، وانحنى على رأس الجرة القديمة، فانزلق المفتاح الفضي من يده، وسقط مباشرة على أصابع قدمه اليمنى المبتلى.
حين حاول الصراخ في هذه المرة، شعر بجرح في مجراه التنفسي.

-2-
حاول أن يتجاهل حاجته للدخول إلى الحمام، لكنه لم ينجح. أخرج جسمه بصعوبة من تحت البطانية السميكة، واتجه إلى الحمّام، ضغط بلا أمل على زر الضوء، فأنار المصباح الأصفر مساحة الحمام الصغيرة. الكهرباء عادت!
انتهى بسرعة من الحمام، وخرج إلى المطبخ. في الداخل كان كل شيء على حاله. جرتا الغاز القديمة، والجديدة. والمفتاح الذي ذكّره بألم اصبعه الذي تورّم. لم يتوقف عند كل ذلك، كان يريد أن ينجز كل شيء قبل انقطاع الكهرباء من جديد.
بدأت المغامرة كلها بسبب رغبته في أن يعد فنجان شاي. كان يعلم أن جرة الغاز فارغة، والكهرباء مقطوعة، فلن يتمكن من استخدام السخّان الكهربائي. لكنّ الرغبة التي اجتاحته ليلة البارحة كان أقوى من كل هذه الحقائق.
كان المهم أنه لم يفقد تلك الرغبة بعد. توجه إلى صنبور المياه وفتحه تاركاً كل شيء وراءه. تدفّقت المياه بقوة، وعلى دفعات. أخرج كوباً زجاجياً من الدرج ووضعه تحت الصنبور، فامتلأ الكوب على الفور بالمياه ذات اللون الحليبي، ثم تركه قليلاً حتى يزول ذلك اللون الأبيض الذي تمنحه مواد التعقيم لمياه الصنبور. توجه إلى إبريق التسخين الكهربائي الذي اشترته ابنته في زيارتها الأخيرة للبلاد. أولج البريز في مدخل الكهرباء، ثم أمسك من جديد بكوب الماء الذي عادت له شفافيته. دلق محتوى الكوب ببطء داخل الإبريق الكهربائي الأسود، ثم أحكم الغطاء وضغط الزر أخيراً.
تنفّس الصعداء بعد شرب الرشفة الأولى من كوب الشاي. استمتع بحرارة المياه وحلاوتها وهي تمر عبر حلقه الذي جُرح ليلة البارحة. ولكن كل شيء انتهى الآن. على الرغم من وجود الكهرباء لكنه لم يكن يشعر برغبة في إدارة التلفاز. كان ضوء الشمس يتسلل من التخرمات الدقيقة في قماشة ستائر غرفة الجلوس. تلك الستائر التي لم يعجبه لونها حين اختارتها الراحلة قبل وفاتها منذ خمس سنوات.
نهض واقترب من الستائر. رفعها من جهة اليمين وعلّقها وربطها بتأن بالقبضة المعدنية على يمين باب الشرفة. شعر بزوغان في عينيه بسبب الضوء القوي الذي دخل فجأة، ولكنه استمر في وقوفه وراء باب الشرفة مستمتعاً بمراقبة سماء اليوم الصافية مقارنة بسماء أمس الماطر. أخذه الحال ففتح باب الشرفة أيضاً. سمع صوت مدفعية من بعيد، فخمّن أنها خارجة من جبل قاسيون. وذكّر نفسه أنه في أمان هنا في حي الشعلان. كان قد كرر المعلومة مراراً وتكراراً على الهاتف مع بنتيه اللتين تتصلان كل يوم من كندا، وأستراليا على الترتيب. بسبب فارق التوقيت. كما كان يقول تلك المعلومة أحياناً على ابنه الوحيد “ك” والذي كان يتصل أيضاً مرة كل شهر، على الرغم من أن هذا الأخير لم يطلب منه يوماً أن يسافر خارج دمشق، أو أن يلتحق به في أمريكا.

-3-
كان سيتصل مرة ثانية بالمطعم حين قُرع الباب. نهض بحماسة باتجاهه، وفتحه دون أن ينظر من العين الساحرة. تفاجأ حين رأى صبياً جديداً يحمل وجبته التي طلبها من المطعم، لكن الذي فاجأه وأربكه في الوقت ذاته، هو رؤية الفتاة الثلاثينية التي كانت تقف وراء صبي المطعم.
ابتسم بارتباك للفتاة، وأعطى ثمن الوجبة للصبي، ثم عاد إلى الداخل مرتبكاً دون أن يدفع نقوداً إضافية كعادته. عاد إلى الكنبة التي كان يجلس عليها، وقرب منها منضدة صغيرة وضع عليها الكيس الذي كتب عليه اسم مطعم “الشويكي” من كل الجهات. كان قد اعتاد في السنة الأخيرة على منظر هذا الكيس يومياً، بعد أن توقفت زيارات مدبرة المنزل “أم عبدو” التي هاجرت مع عائلتها إلى مصر.
وعلى الرغم من أنه شعر بانقطاع في شهيته إلا أنه شعر بفضول لفتح الكيس ورؤية منظر وجبة الكباب الهندي التي طلبها على الهاتف. اقترب من الكيس لفتحه، ففاجأه صوت الباب من جديد، لكن الطرقات كانت أكثر رقة في هذه المرة. تمنى ألا يكون قد أخطاً من جديد في حساب سعر الوجبة، وتوجه إلى الباب بعد أن أحكم شدّ حزام روبه المنزلي. نظر في العين الساحرة فلم يرَ أحداً. ظن أن الصبي كان أقصر من أن يُرى من العين، ثم فتح الباب. لم يجد أحداً بالفعل، وكاد أن يغلق الباب، لكن صوت الفتاة استوقفه.
كانت واقفة أمام بابها. نظر إليها نظرة عدائية، فبادرته بابتسامة عريضة. كاد الارتباك أن يتملكه لولا أنها أنقذت الموقف، وعرّفت عن نفسها بأنها جارته الجديدة. اسمها “نور” وموظفة في “سيريتل”. لم ينتبه إلى ما قاله بالضبط، لكنه ابتسم لها مغمغماً ببعض الكلمات، وانسحب إلى الداخل، ثم أغلق الباب. نظر مرة جديدة إلى الكيس الأبيض الذي ضم وجبته، وشعر أن شهيته قد ازدادت على الرغم من المواقف المربكة التي تسببت بها وجبة الغذاء هذه.

-4-
استهلك نصف ساعة كاملة في حلاقة ذقنه، ولكنه شعر عقب ذلك بانتعاش كبير. لبس قميصه وبنطاله ببطء، ثم ارتدى فوقهما سترته الرقيقة، كان قد فحص الطقس في الخارج من الشرفة، واستنتج أن الطقس ربيعي اليوم، وما من داع لارتداء سترة سميكة. ملّس ما تبقى من شعر على جلدة رأسه الناعمة، ثم ارتدى قبعته قبالة المرآة. كان قد اختارها بنية تتماشى مع لون بنطاله. ارتدى حذاءً جلدياً كان من الهدايا القليلة التي يرسلها ابنه له.
ألقى نظرة أخيرة على المرآة الطولية في غرفة النوم، ثم تأكد من ورقة الخمسمئة ليرة التي وضعها في جيبه، ومن بطاقة الهوية. توجه إلى لوحة الكهرباء وفصل كل المفاتيح. ثم ألقى نظرة من العين الساحرة. كان الباب مغلقاً. نظر إلى ساعته فكانت تشير إلى الثامنة والنصف صباحاً. فتح بابه متعمداً إحداث بعض الضجة، ثم خرج. أغلق الباب من الخارج، وهو يتوقع أن يفتح الباب المقابل في أية لحظة، لكن لم يفتح الباب، ولم يخرج أحد.
استقبل وهج الشمس الربيعية بشيء من الاستمتاع، ابتسم لعمّال كانوا يحملّون بضاعة من مستودع الأحذية الملاصق لمدخل البناء. صعد على الرصيف متجنباً السيارات التي كانت تعبر زقاقهم الضيق. مرّ من أمام حانوت صديقه القديم “س” ولكن هذا الأخير بدا منهمكاً بزبونة شابة كانت تجرب قبّعة معروضة في حانوته الصغير. اكتفى بالابتسام لنفسه، وقرر أن يمر عليه في طريق العودة. أكمل الزقاق نزولاً حتى نهايته، ثم وصل قرب مدرسة التجهيز، كانت الشمس قد أصبحت أقوى بعد أن خرج من الرطوبة التي تسكن زقاقهم. سرّ من نفسه لأنه ارتدى القبعة التي درأت عنه أشعة الشمس هذه، ومشى بخط مستقيم باتجاه مقهى الكمال.كان الضجيج قد بدأ يعم في المقهى رغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحاً. توقّف لبضع ثوان على الباب الخارجي، قبل أن ينخرط في ضجيج المكان. كان قد رأى بعض الوجوه التي يعرفها، توجه نحو طاولة في منتصف الصالة بعيداً عن وهج الشمس. ابتسم له نادل تعرّف إلى وجهه، ومسح الطاولة بخرقة قماشية كان يحملها في يده.
استسلم لشعور الألفة التي غمرته في المقهى، وجلس إلى الطاولة باسترخاء تام. خلع قبعّته ووضعها مقلوبة على الطاولة التي جفّت بسرعة بعد أن مسحها النادل. قبل أن يقرّر ما الذي يريد شربه، أراد أن يستمتع بذلك الشعور حتى النهاية. لمس خديه مرّة أخرى مثنياً على مهارته في حلاقة الذقن بتلك النعومة. مدّ يده إلى جيبه كي يضع مفاتيحه في قبّعته المقلوبة كما يفعل عادة، لكنّه لم بجد شيئاً في جيبه الأيمن، عدّل جلسته ومدّ يديه الاثنتين بسرعة إلى جيوب السترة التي كانت فارغة أيضاً. استشعر نقطة عرق تسيل من جبينه على خدّه الحليق الناعم، لكنه لم يمسحها. كان أمله الأخير معلّقاً على جيبه الأيسر، دسّ يده فيه ببطء ممنّياً نفسه أنه سيجد مفاتيح البيت داخله.

-5-
حين وصل إلى مدخل البناء، كان العرق قد سال بغزارة على وجهه ورقبته حتى شعر أن ياقة قميصه قد تبلّلت بالكامل. كان أمله الأخير أن يجد المفتاح معلّقاً على قفل الباب الخارجي. غبّ نفساً عميقاً ثم صعد أدراج الطوابق الثلاثة بسرعة لم يعرفها من قبل. كان العرق قد سال من جبينه على عينيه فمسحهما بكم السترة التي كان قد خلعها في الطريق. صفّى بصره بعد أن زال العرق، ولكنه لم يجد شيئاً رغم ذلك. تقدّم من الباب، أمسك قبضته النحاسيّة وحاول هزّه، لكنه كان مغلقاً. وقف في مكانه لبضعة ثوان ثقيلة قبل أن يفتح الباب.
نادته “نور” من الخلف. كان معطفها الصوفي السميك أول شيء لفت نظره. في البداية طلب منها منديلاً ليمسح عرقه، ثم دعته إلى الداخل حين فهمت الموقف. مانع قليلاً، ثم أذعن لطلبها. دخل العجوز بخطوات خجولة إلى البيت المكوّن من غرفة واحدة مفتوحة على مطبخ صغير. اعتذرت عن الفوضى التي تعم المكان، وأخبرته بمرضها الذي منعها اليوم من الذهاب إلى العمل اليوم. جلس على طرف الكنبة الوحيدة في الصالون، محدّقاً باتجاه الشرفة الصغيرة التي احتجب بابها خلف ستائر رقيقة. دون أن يستأذن منها، اندفع  بحماسة نحو باب الشرفة، فتحه، ثم خطى بأمل إلى الخارج. نظر إلى اليسار، فرأى شرفته. كان يعلم أن الشقة المجاورة تطل على شرفته لكنه نسي كل شيء بسبب الصدمة التي شعر بها.
بعد ساعة جلس الاثنان في غرفة جلوس بيته. كان كفّ نور مضمّداً بعد أن جرحت يدها أثناء كسرها لزجاج باب شرفته الخارجي. ذلك بعد أن خاطرت وقفزت فوق المسافة القصيرة الفاصلة بين الشرفتين.

-6-
الصباح التالي لم يكن مثالياً. كانت رائحة عرقه أول شيء لمس حواسه قبل النهوض من السرير الذي غادره بصعوبة متوجهاً إلى غرفة الجلوس. قاوم رغبته بالتمدد على الكنبة متأملاً بكوبي الشاي الفارغين بعد زيارة نور القصيرة أمس. شعر بأنه على ما يرام لبضعة دقائق مذكّراً نفسه بصواب قرار البارحة بالخروج من المنزل والاحتكاك بالعالم الخارجي، على الرغم من الخوف الذي انتابه عند اكتشاف فقدانه للمفتاح، إلا أنّ هذه الصدفة بالذات هي ما قاده إلى التعرّف على نور وقضاء وقت معها. ألم يكن ذلك أفضل من الجلوس في المقهى؟
الساعات التالية مرّت بثقل شديد. اكتفى بالجلوس في الغرفة دون أن يحاول فعل أي شيء سوى كبت رغبته في النهوض إلى الباب للنظر من خلال العين الساحرة. لكنّه ضعف في النهاية. عقد زناّر روبه بإحكام ومشى بخطوات واثقة إلى الباب وكأنه يمشي أمام حشد من المراقبين. أغلق عينه اليسرى، وقرّب اليمنى من فتحة العين فرآها هناك أمام الباب! أراد تكذيب نفسه فعاود النظر مرة أخرى فرأى الجسد بوضوح وهو ينحني على الأرض ويرفع السجادة الصغيرة الممددة قرب باب بيتها.
تردّد قليلاً قبل أن يفتح الباب، وحاول التفكير بحجة مناسبة. شعر أنه سيندم على هذه اللحظة لو لم يفتح الباب على الفور. استسلم لهذا الشعور وفتح الباب بخجل، فالتفت الجسد إليه. كان الشاب يبحث عن شيء ما تحت السجادة المخصصة لمسح الأحذية حين انتبه للعجوز الذي فتح الباب من وراءه. التفت بخجل للعجوز وانتصب واقفاً وطرق برفق على الباب. لم يلتفت إلى الخلف لكنّه علم أن العجوز الغريب مازال يراقبه. حين قرّر المغادرة فتحت أخيراً الباب من الداخل. “أ” العجوز ميّز على الفور معطفها الصوفي الذي كانت ترتديه البارحة، كما انتبه أنها لم تكن ترتدي تحته إلا سروالاً قصيراً كشف عن ساقيها الحنطيّتين. تقاطعت عيناه مع عينيها لكنّها اكتفت بابتسامة سريعة مفسحة المجال لدخول الشاب الغريب. ابتسمت له مرة أخيرة وعادت إلى الداخل مغلقة الباب.هو أغلق بابه أيضاً. مشى ببطء إلى الكنبة حيث كان جالساً طوال الصباح. مدد جسده ووضع وسادة صغيرة فوق وجهه. حين تمدّد شعر بألم في أصابع قدمه اليمنى، كما سمع صوت مدفعيّة قاسيون من جديد.

 

دمشق 2013.

عن وسيم الشرقي

وسيم الشرقي
كاتب من سوريا