الصفحة الرئيسية / زوايا / الوجوه الغابرة

الوجوه الغابرة

مروان قصاب باشي

أيّ الهموم تحملُ؟
– بعض الألوان وآهات العجائز في سهرات تلملم بقايا تراث.
أي الرعب يتملّكك؟
أن أمسكَ طائراً كلّه رغبةٌ بالعيش في قفص.

الوجوه التي لم أعد أراها اليوم، أُلوفُ التفاصيل فيها، كلّهم يعرفون ما تحتَ هذه العِمارات، يعرفون أين دُفن مَجدنا الحقيقيّ، وأيّ الكذب عاشوا، لا يفهمون السياسة جيداً، يأخذون منها ما يبقِيهم بمأمنٍ من الجدران والغرفِ الرّطبة الضّيقة، لهم ألفُ علامة سوطٍ من الحصاد على أقدامهم وجباههم والقلوب.

عرفتُ العجائز من قريتي، كلهم متشابهون، كلّهم متفقون على صيغةٍ واحدةٍ للتّاريخ، ما أن يبدأ أحَدهم بحديثهِ، “بهالزمانات” حتّى تعرف كمّاً من المتعة، انقضت، كانوا برمّتهم عشاقاً، يقولون الموّال، يعرفون “الهلالي والزير وعنترة”، يعرفون الأحزاب ووجوه السَاسة العفنة، لكنهم لا يستطيعون شتمَ شيءٍ، سوى السّماء، لهم ذلك الإيمان وذلك الإلحاد، لهم هذا القلبُ الذي يُصدّق كلّ شيءٍ حتّى القِصص بأن بعضهم رأى الجنّ، وبعضهم ذهب أبعد مما تستطيع العينُ لمحه، هذا كلّه في قلبٍ لم تشوّهه كتبٌ مدرسيّة، اسألهم من أين تعرفونَ كلّ هذا ؟!، سيجيبونك : “من الصدور مو من السطور”، هذا الوجهُ لماضٍ لا تستطيع ولوجَهُ دائماً، وجهُ الحاضرِ الذي لا تريده أن ينتهي في قذارةٍ تحيا بها.

أمرّ في شوارعِ القرية، أُلقي التحية، ألقى الجواب دائماً،
من المعيب أن ترى رجلاً بعمرِ حضارةٍ ولا تحييه، مربكٌ أن تراه طوال اليوم، صيفاً شتاءً يجلس مكانه، لا يتحرك، كأنه وُجِدَ ليردّ التّحية، جالساً على صخرةٍ لا يستطيع عشر شبابٍ من جيلي حَملها، من المعيبِ أن تنظرُ في عيني عجوزٍ مباشرةً، سيكسركَ حزنه المكتوم، سيكسركَ قدرتهُ الدائمةُ على فهمكَ، رغم محاولاتكِ للخروج من تقاليدٍ وعاداتٍ تربطك به.

الضحكُ الممزوجُ بحسرةٍ، سِمَتُهم، كلّهم كانوا يغلقونَ الباب من الدّاخل، يأكلونَ النّخالة في مواسم الإقطاع، يُرخُون رُسُن الدّوابِ في هذه المساحات، أولئك الذين عرفوا الاقطاع، وعرفوا القمع والأديان والطوائف، يبتلعونَ اللّقمة بمرارةٍ، كلّما مرّت ذكرى انكسارٍ أو نكبةٍ، يعرفون جيداً أيّ الهتافاتِ ضاعت سُدى، أيّ الأولاد قضوا ضحيةَ جهلٍ، وأحلامٍ لم يَصنها حُكام.

كان لي جدٌّ،
رحلَ قبل أن يعلّمني كلّ شيء، تسعينيٌ، بنصفِ قدرةٍ على المشي والنّظرِ وإخراج المواويل، يَحكي لي كيف عَرف التراب، و”الأخذ عسكر”، كيف أطعموا جيوشاً ممّا يزرعون، وكيف اجتمعت كلّ هذه الوجوهِ لسنواتٍ على طنجرة شاي و نسفة قميرة*(1)* لم يكن لديهم إبريق شاي، أو بالأحرى لم يكن لديهم إبريقٌ يكفي لصنع الشّاي لهذا الكم من السّهارى في ليالي القرية.
نَسفة: طبق قشّ كبير يوضع عليه الطعام والحبوب.
القمّيرة: القمح المقلي.
، يحفظُ قصائد الخنساء ومعلّقات العرب، والكثير ممّا لم أجده مكتوباً، يلعبُ الشّطرنج رغم ضعف بصره، يعرفُ أنّني أغشُّ لأربح، أنّني من جيلٍ لا يشبهُ جيله، جيلٍ لا يعرف منازلةَ الفرسانِ التي تربّوا عليها، جيلٍ سيضيّع كلّ شيء، رغمَ امتلاكهِ ما لم يمتلكوه يوماً، الصّراخ في وجه الجدار، الهتافُ رغمَ كمّ الأفواهِ المتواصل.

العجائزُ، ليسوا أقلّ منّا حبّاً لكلّ هذا الصّخب الذي أحدثناهُ في الحياة، يكرهونَ جُبنَهم، لكنّهم يعرفون خَفايا أخرى، نحن الذين نُفاخر ببطولاتنا أمام صَمتهم لا نفهم السّرَّ تماماً.

قال لي مرّةً أحدهم: لا مجدَ في مهاجمةِ ذئبٍ وحيدٍ، ولو كنتَ وحدك، هي ذاتُها حينَ تُبارز فارساً، يُرديكَ أو تُرديه، هاجِم الذّئب وحيداً، وحين تأتيكَ الذئابُ لا مجدَ في موتك، ستكسبُ شرفَ المحاولة، وتَخسر.

قد أعذرهم بعد هذا كلّه، دونَ أن أتّفق معهم، حيثُ لا بدّ من العودةِ إلى الغابة لاكتشافِ النّار، لابدّ من مهاجمةِ السّحاب لنكسبَ المطر في موسمِ الجفاف، رغمَ كلّ حريتهم وتَعاليهم عن قيودنا، ما زلتُ أرى انكسارَ الطائرِ في عيونهم، طائرٍ لا يتركُ القفصَ الذي بلا قضبانَ أو قيود.

 

المراجع   [ + ]

1.* لم يكن لديهم إبريق شاي، أو بالأحرى لم يكن لديهم إبريقٌ يكفي لصنع الشّاي لهذا الكم من السّهارى في ليالي القرية.
نَسفة: طبق قشّ كبير يوضع عليه الطعام والحبوب.
القمّيرة: القمح المقلي.

عن محمد حاج حسين

محمد حاج حسين
كاتب سوري