الصفحة الرئيسية / تجريب / عطب في الذاكرة

عطب في الذاكرة

انطونيو چورملي. المصدر: free-parking

جميل جداً، أن يكون لدى الإنسان صديق لديه مشكلة في الذاكرة قصيرة الأمد، يمكنك أن تقولي له ما تشائين، يمكنه أن يفكر معك ويتبادل الأدوار ويناقش ويحلل ويعطيك حلولاً ونصائح وافتراضات وسيناريوهات متخيلة، لكنه سينسى كل ذاك. أنا واحد من هؤلاء، توقف بي الزمن حين انكسرت شجرة السرو المقابلة لبيتنا، تغيرت صورة السماء، تغير طعم القهوة على الشرفات، وصار العالم شارعاً ضيقاً بلا أشجار. بإمكانك ان تحكي لي كل الأشياء التي تخافين منها، سأتفاعل معك، أعدك بذلك لكنني سأنسى، لا يمكنك أن تطلبي مني أكثر من ذلك. آخر بقعة دم رأيتها كانت على ثيابي، فتحة بسيطة في صدري وأخرى تحت الإبط، تخثرت بعد دقيقتين على ما أذكر، بعد ذلك صار مذاق الأشياء مالحاً، ولم تعد تؤثر بي صور المجازر. الحياة أسهل على هذا النحو، لكنني فقدت إدراكي للكثير من الأشياء، أحيانا أقفز عن سور عال، تكسرت اضلاعي أكثر من مرة، ليس سهلاً أن يعيش الإنسان بأضلاع متكسرة طوال حياته.
ننسلخ عن العالم قليلاً، نتخيل اننا جسدٌ واحدٌ يقلقه المرض أحياناً، ولا يهجسه الموت أبداً، نتوقف في صقيع اللحظة، نتلمس برودة الأشياء من حولنا، وننتشي بدفء قلوبنا. هو قلب واحد ينبض في عوالم مختلفة، مشاعر متناثرة في كوكب ضخم. لا يفيد كثيراً هذا الكلام، ولكنه ضروري، أنا سأنسى كل هذا، عليك أن تعاني قليلاً، ساصنع لك بعض الذكريات، هذا ما ينجح به الأصدقاء.
كنتِ دوماً تطلبين عدواً لائقاً، من خارج حدودك، وحشاً فتاكاً، من بلاد بعيدة، يأتيك من قبائل غريبة، بلباس مختلف عن ثقافتنا، وكنت اقول لك أن أسوأ الأعداء أولئك الذين ينبتون من أرحامنا، نشكلهم خلية بعد أخرى، ونسيجاً فوق آخر، نزودهم بالهرمونات، نطعمهم من قلوبنا، ونمد لهم شبكات النواقل العصبية والتواصل الاجتماعي.
نحن أعداء يا إيڤا، لكننا ذلك النوع من الأعداء، لا يقتلون، لا يذبحون، ولا يتلذذون برؤية الدماء، لا يشوهون الجثث، لا يسيلون الدماء، لديهم مرض يسمى وخز القلب، لكنهم بكل خفة قادرون على الابتعاد، ويتركون لنا الصور.
هناك الكثير من القصص التي تجعلنا نخسر كل قدرة على الكلام. أعرف هذا، جربته مرات عديدة، في الصور التي نبشتها من الذاكرة. أتذكر مرة وقفت أمامك، كانت عيناك مبتلتَين بالدمع، وجهك أحمر من كثرة البرد، كانت ضحكتك تشبه زلزالاً لا يخضع للمقاييس، كأغلب الأمور التي تفعلينها، لا تخضع للقياس، لكنني أحس بها، ولا أستطيع التكلم، تماما كما أفعل الآن.
راقبتك ذات مرة وأنت تدخلين الغياب، أشاهدك من خلف، أراقب خطواتك وهي تبتعد، صلابة مشيتك لا تعني أنك لا تفكرين بتحريك رأسك مرة أخيرة إلى الوراء، أردت أن أشاهد عينيك دون أن أنبش قبور اللغة بحثا عن كلمات مناسبة.
كثيراً ما يبدو لي أنني أحببتك بشكل خاطئ، لكنك تسدلين شالاً أزرق بين كتفيك مثل ستارة تحترق، وهذا كل ما في الأمر.
نحن مسافرون يا إيڤا، والمسافرون يتركون ندباً عميقة لا تزول مع الزمن، نودعهم بالقبل والعناق والوصايا، نساعدهم في توضيب الحقائب، نتأكد أنهم على ما يرام، ويقولون أنهم سيرجعون، لحظات الوداع تشبه شواهدَ لقبور مجهولة الهوية، لا أحد يريد التوقف عندها.
كان علينا أن نفكر كثيراً، أن نشتري قليلاً من الوقت لنمشي تحت سماء لا يشوبها دخان كثيف، أن نخرج من كل الحكايات كمعجزة، ونرجع إليها بظل مائل وأجساد ترتجف.
لم نتجرأ مرة على إطالة النظر في عيوننا، كانت تنكسر المسافة بينهما. في طفولتي، كانت لعبتي المفضلة مع أصدقاء الحي، وكنا نسميها رمشة عين، من يرمش أولاً عليه أن يغادر، لطالما أتقنت تلك اللعبة، هنا تبدو الأشياء مختلفة، قاسية، مؤلمة، لكن اللعبة ذاتها، من يرمش أولاً عليه أن يختفي، وأنا سأنسى على أي حال.
نحن نشبه الخارجين من الحرب يا إيڤا، وجوههم متعبة ولا طاقة لهم على الكلام ويحتاجون ضخ الدماء في عروقهم. علينا أن نسأل أولئك الذين ماتوا، هل كانوا يسمعون صوت القذائف التي تقتلهم، لكنهم بالتأكيد عاشوا لخمس ثوان بعد القذيفة، شاهدوا فيها موتهم على شاشة عرض كبيرة.
الجرحى أمثالنا يخافون من هذه الأصوات، الرصاصة التي تقتلك لن تسمع صوتها، ينتشر هذا الكلام في الحروب، يتناقله الناس بكثرة، خوفنا من الصوت علّمنا أن نغلق آذاننا مع كل باب ينغلق.
لا تسأليني عن أسراري، لأنه إن لم يكن معك الكثير من الوقت لتسمعي سيكون سؤالك بلا معنى، عليك أن تكوني مستعدة لنوعين من الإجابة، لاشيء يحدث معي، ليس عندي أشياء جديدة، أو عليك أن تعرفي كل ما حصل معي خلال غيابك، الإختناق ورجفان القلب من الأمراض التي تركتها لي، ولن أسامحك عليهما أبداً.
لا تسأليني أين كنتُ في تلك السنوات الماضية. كنتُ ميتاً، وليس هناك من طريقة جيدة لإخبار الناس أن احدهم مات.
أخاف أن أقول لك أشياء جديدة، انتهاء الكوابيس لا يعني أنها لن تتكرر، غيابك غير معقول، وليس هناك تعريف واضح للأشياء غير المعقولة طالما أنها تحدث، وليس هناك أي مبرر لكي نحدق في ساعات أيدينا وندّعي أننا تأخرنا. نحن دوماً متأخرون يا إيڤا، وننتظر أشياء غريبة، كم هو مغثٍ أن ننتظر الأشياء التي نعرف أنها لن تحصل مرة ثانية.
الشظايا التي تبقى في الجسد، تبدأ بالتماهي معه، أو العكس، في البداية تنشط الخلايا المناعية للدفاع عن الجسم وتشكيل الأضداد، بعد ذلك يتكون نسيج من الألياف حولها، ولا تتعرف الأجساد عليها على أنها أجسام غريبة، تصبح جزءاً طبيعياً من تكوينها، هكذا يدخل الأشخاص حياتنا، نضع الدروع في طريقهم، ثم يقتحمون الأغشية، ويخترقون طبقات الجلد، يحفرون جسدنا، يتسربون إلى دمنا، وأحيانا ينخرون عظمنا. من يخرجون من حياتنا، يشبهون ايضاً الشظايا التي خرجت، تترك ندبة واضحة، نتحسسها باستمرار، نمرر أيدينا عليها، نتتبع شكلها التشريحي، ونعترف بها، نتمسك بها دليلاً على الحرب التي كنا نخوضها، هويةَ لا نريد التخلي عنها.
هو هكذا، طلق ناري وخياطة جراحية، شظية وندبة، حياة على حافة الموت، ووجود يهدد بالعدم، واقتراب ينذر بالمسافات..
من فضائل الحياة علينا، انه يمكننا اختراع الوهم، نبدد به كل الحقائق ونغير ألوان اللوحات التي لا تعجبنا، الوهم الذي يتكلم عنه الآخرون وكأنه شيء مزعج، هو جزء من حقيقتنا، هو عالم يشبهنا نشيّده من رغباتنا ومشاعرنا، ولولا وجوده لكانت الحياة ممارسة يومية للبؤس والشقاء، أكثر أفكارنا وتخيلاتنا ترتبط بالوهم أكثر بما لا يقاس من ارتباطها بالحقيقة. الحقيقيون معذبون، الواهمون يعيشون بدورهم حياة الابتعاد عن الحقيقة.
أكره الشوارع الممتدة الخالية من الأشجار، وكثيراً ما أشاهد جسدي ينزرع وسط شارع في حلم ما، أصادف أشخاصاً غريبي الأطوار، يتكلمون بثقة أن التدخين عادة سيئة. كنت أريد أن أسألهم عن العادات الجيدة، ولكنني اكتشفت أني دخلت الحلم دون صوتي، أعود إلى البيت مسرعاً لأتأكد من وجوده، أقلّب أثاث البيت مرتين دون فائدة. كنتُ أتركه معلقاً مع المفاتيح كي لا أنساه، عرفت أنه بقي معك، شربنا القهوة آخر مرة، ونسيته معلقاً على كتفك، ومنذ ذلك الحين أدخل الأحلام صامتاً، وأعجز عن إبداء رأيي في كل ما يغضبني. كان الأمر عادياً في البداية ولم يخلق الكثير من المشاكل، لكنني ذات مرة كنت في مباراة كرة قدم، ولم أستطع أن أفرح بهدف الفوز، تمنيت لو أن فريقي يخسر، تمنيت لو أني لاعب الدفاع لأتخصص في إدخال الأهداف بالخطأ في مرمى فريقي، صرت أرجع سريعاً من الأحلام، وأجرب كل العادات السيئة، التدخين، القهوة، القفز عن الأسوار العالية، وإشعال الحرائق.
أحب الحرائق كثيراً، وكثيراً ما كنت أصنع النيران في خرابات القش المهجورة، وبساتين الشوك وبيادر القمح المجفف، كان الأمر يحتاج لقشة كبريت واحدة، تستخدم لإشعال السيجارة والحقل في آن معا، علينا أن نجربها معاً ذات يوم، علينا أن نجد خرابة قش مهجورة، ساحضر زجاجتين من البيرة، ونبحث عن صخرة مرتفعة ، نشاهد من فوقها خراب هذا العالم.
نحاصر أيامنا بالحطب، بأغصان الجوز والرمان. من الأمور المغرية في الحياة، أن نشيد الحرائق بطريقتنا، أن لا نترك لها فرصة لكي تحدث من تلقاء نفسها، أن لا ننتظر كارثة طبيعية ولا قصفاً مدفعياً، ولاماسّاً كهربائياً. بنزعتنا الغرائزية تجاه الأشياء نعمّر جحيماً لا يسكنه الآخرون، أردت أن أصنع لك الكثير من الحرائق، لكني ما زلت أبحث عن عود يابس.
هل تذكرين أول مرة تكلمنا بها؟ لم أكن أحبك حينها، كنت ولداً شقياً، وأقوم بالأشياء بطريقة خاطئة. لدي مشكلة في الذاكرة، أرددها كثيراً كي لا أنسى. أحببتك كما لو أنك عادة سيئة، وأخاف التورط فيك أكثر. لست قادراً على المشي بعد الآن، لا أتحمل مغامرة أخرى أوسقوطاً آخر، عليك أن تفهمي هذا، البقاء هنا أمر غير منطقي، يشبه انتظار إشارات المرور أثناء عاصفة.
تركت لك صورةَ في الدرج الخشبي، تأخرنا عن القطار، كنا نضحك معاً، وأعرف أنك لن ترجعي ابداً. الآخرون شظايا، نحن النازفون، صورنا تشوهات، كل ما نحتاجه مرآة سوداء عملاقة لتعكس حجم الجروح في أعناقنا. نسيت أن أقول شيئاً أخيراً، ننزف احياناً دون ان نرى دماءنا في الشوارع، ننزف حين نشتم رائحة الأماكن التي تخلينا عنها أو تخلت عنا. الروائح رصاصات قناص تثقب القلب، والذاكرة وصلة شرايين.
أنا صديقك يا إيڤا، من ذلك النوع السيء. لدي صوتٌ معلق على كتفك بجانب الشال الأزرق، اختناق صدري، عطب في الذاكرة، أضلاع متكسرة، شظيتان في الصدر وتحت الإبط، ويمكنني أن أنسى كل شيء، إلا وجهك والأجسام الغريبة.

عن عمر دياب

عمر دياب
طالب طب أسنان مقيم في المانيا