الصفحة الرئيسية / تجريب / مسمار مصنوع من الصوف
مسمار مصنوع من الصوف

ديانا الحديد Diana al-Hadid، تصوير: Jason Wyche

مسمار مصنوع من الصوف

– رحيل، عودة، رحيلٌ آخر، شاشة صغيرة، عدمُ عودة، مقطعٌ صوتيّ، رحيل، صورة، عدمُ عودة.

– بقاء.

**

نظرتُ اليومَ إلى الخارج، هُنالِكَ شمسٌ فرَدتْ أشِعتها كفراشةٍ تفرِشُ جناحيها فوقَ أكوامِ قُمامة،  فرَدت أشِعتها وأضاءت جميعَ الجُثثِ التي تمشي في الشارع، هذِهِ الشمسُ تسبحُ في بحرٍ كبيرٍ من سماءٍ زرقاءَ اللون، ممزوجةٌ بِعنايةٍ شديدة بروائِحِ أوساخٍ تطوفُ تحتها، هذهِ الأوساخُ كأسرابٍ من الجرادِ الذي يلتهمُ و يقتلُ كُلَّ أخضرٍ أمامهُ.

جارنا العجوزُ نسيَّ أنهُ كانَ يسمَعُ الأغاني القديمة المعتادة في الصباح، البارحة ليلاً صدَعَ رؤوسَنا بها، كانَ يجب على أحدٍ ما إخبارهُ بِوجودِ شيءٍ يُسمى قتلٌ رحيم.

– الساعةُ الأولى من صباحِ اليوم كانت مُشمسةً، الآن تُمطِرُ بِغزارة شديدة، جميلٌ تساقُط حباتٍ كبيرة من المطر، مع تحوّل كُلِّ شيءٍ إلى اللونِ الرماديّ الضبابيّ، الذي نعيشهُ يومياً ونُحاولُ دوماً تلوينهُ بِألواننا الأكثر بهاتةً من اللونِ الرماديّ.

 المشيُّ أيضاً في هذا الجو يُعطي شعوراً جيداً، تتحول الشوارع لِمكانٍ خالٍ منَ الحياة، جميعُ الأمراض تحتمي من المطر داخل بيوتها وفي سياراتها.

– الغُبار والفوضى التي أصبحت تُشكِلُ جزءاً أساسياً من الكهف الذي كانَ يُعدُّ مَعقل الجميعِ لِلهربِ من ضجيجٍ مُملٍّ يحدثُ خارِجاً، مع لقطاتٍ جميلةٍ تُعادُ مُشاهدتُها غالِباً في مكانٍ ما من القلب، حدثت بِفراغِهِ اللامحدود والضيّق حدَّ الاختناق، أصبحوا جميعاً يُشكِلونَ مكاناً قد يكونُ من الأمكنة القليلة التي فَرِغتْ وأصبحت تُسبب مرضاً يُسمى بالـ”التعلّق”.

– هذا الملجأ الصغير الذي يُمكِنَهُ استيعابُ أكبرَ عددٍ مِن أمراضِ التعلُّقِ التي لا تُحصى ، قمتُ البارِحة بِإجراءِ تعديلٍ بسيطٍ قد لا يُدرِكَهُ أحدٌ داخِلهُ، أزحتُ لوحةً وعلّقتُ مكانها أسوارةً صوفيّةً صغيرة .

– قد لا أكونُ أُصِبتُ به قبلاً، حتى الآن على الأقل، التعلّق بالأمكنة أو الأشخاص، ولا أعتقد أنه عموماً يتعلق بالعمر، ليسَ كُلُّ من يَكبُرني بِعدةِ سنواتٍ محفورةٌ أمكنةٌ ما في ذاكرتهم، و ليسَ كُلُّ من يَصغُرُني بِعدةِ سنواتٍ لا يملِكونَ عاطِفةً ما تِجاهَ مكانٍ ما.

– لديَّ أماكِنُ كثيرة أذكُرُها جيداً، قد تكونُ جميعها عبارة عن مقاهٍ وحدائق، تقريباً أذكُرُ التفاصيلَ جميعها في كُلِّ زاويةٍ من هذا المقهى أو ذاك، أو على هذا المقعد أو الرصيف العريضِ في الحارةِ الصغيرة التي لا تَدخُلُها السيارات، باضاءتِها الصفراء الخافِتة التي كُلما ارتفعت حرارةُ الضوءِ داخِلَ عُلبتهِ المعدنية فضيّةُ اللون، المُتآكلة أطرافها، تنطفئ.

– أيضاً أذكُرُ جميعَ البيوتِ التي سكنتُها، لم يسكُنني أيٌّ منها، لم أتشبث يوماً بِواحدٍ منها، فقط صورٌ لا أُراجِعها كُلَّ يومٍ كما باقي الصور التي حفرت وأخذت عنوةً مكانها الحاليّ، على هذا الأمرِ أن يكونَ جيداً.

– التعلُّق أيضاً لا يتعلق بالذاكِرة، يمكنني الآنَ ذِكرَ جميعَ الأحداثِ والمواقف والمشاهد والدعاياتِ التلفزيونيةِ المريضة التي قد تكونُ سبباً رئيسياً لِجميع الثورات التي اشتعلت، بالإضافة لجميعِ من قالَ أنني يجب أن أكونَ رائِداً طليعياً ولو لِمرة، التعلُّق مُجرد حالة عاطفية قد تكونُ جيدة أو سيئة، جميلة أو قبيحة، قد يتعلق أحدٌ ما بِمكانٍ صحراويٍّ لم يُزرع بِهِ سِوى صمتٌ صاخِبٌ تعيشهُ وتقتُلُ فيهِ أعواماً عدة خلالَ ساعاتٍ قليلة.

– التَعلُق الصوتيّ، هو الأشدُّ رُعباً، أن تعتادَ ضجيجاً وأصواتاً تملأُ المكانَ بِرُمّتِهِ ثم يختفي كُلَّ شيءٍ، و تجد نفسَكَ داخلَ متاهةٍ فارِغةٍ من كُلِّ شيءٍ حتى جُدرانها، فقط أنتَ ومحاولاتُ تعويضٍ فاشِلةٍ سلفاً، تُشبهُ إلى حدٍ ما التمسُّك بِالهواء عِندما تسقُط أثناءَ تحليقِكَ وسطَ أحلامِكَ، هوَ نَفسَهُ ما يُحاول الجميعَ تطبيقهُ على كُلِّ شيءٍ آخر، كتلوينِ اللونُ الرماديِّ الضبابيِّ بألوانٍ مُختلفةٍ أُخرى.

 – جَميعُ العاداتِ التي نقومُ بِها هيَ مُحاولات نجاةٍ من أنفُسِنا، يكفي ما قُمنا بِهِ من جرائِمِ تعلُّقٍ غبيّ حتى الآن، حانَ الوقتُ لِلتمَسُكِ بأشياءَ أكثرَ فائِدةً، لوحةٌ تعلّقت بِمسمار، مثلاً.

عن حسين الماغوط

حسين الماغوط
كاتب من سوريا