الصفحة الرئيسية / تجريب / عن خوفِهَا أذكرُ هذا..
اللوحة للتشكيلي بول كلي

عن خوفِهَا أذكرُ هذا..

يرنّ الهاتف الوحيد المعلّق إلى جانب المكتبة وسط المنزل، ولأنه الإغراء الذي لا يقاوم أصعدُ فوق طاولةٍ خشبيّة وأمسك السماعة، كانت ابنة الجيران، طلبتْ بصوتٍ خافتٍ أن أصلها بأمّي، تركتُُ السّماعة تتدلّى وناديتُ أمي التي أنهت المكالمة سريعًا وبعد حديثٍ مختصرٍ مع والدي خرجا معاً فيما بقيتُ في باحة البيت أقفز مع الحصى الملساء فوق رقعة الخوطى، مع أنّي في حالاتٍ مشابهة كنت لألحق بهما حال خروجهما كل ما كان عليّ فعله هو اجتياز الحدِّ الفاصل بين المنزلين، شجرتي زيتونٍ وأخرى من الّلوز، صخرةٌ كبيرةٌ وبضع خطواتٍ في التُّراب المفلوح وأدقُّ الباب، لكنّ أمّي كانت تعلم بعادتي تلك فنهتني عن التفكير بذلك قبل ذهابها.
بعد ساعاتٍ لم أحصيها عادا، خرج أبي مجدّدًا بينما باشرت أمّي إتمام عملها الذي أُوقف إثر الاتصال الغامض، لم أحاول سؤالها لمعرفتي الجواب، هو ذاته لجميع الأسئلة تقريباً، كان باستطاعتها استيعاب أحاديثنا وشكوانى نحن الخمسة والاكتفاء بهزّ رأسها دون التلفظ بكلمة، تُؤمن بالنّظرية السّائدة آنذاك بأنَّ الصّمت أفضل الطرق لصدّ الطفل هكذا لا تَئِدُ لديه الأمل.
مستغلّةً انشغالها، تسللتُ إلى بيت الجيران، صديقتي ذات العينين الخضراوتين فتحت الباب، لم يكن صوتها فقط ما اتّسم بالغرابة يومها بل كان شكلها أيضاً، عيناها كانتا أكبر حجماً وباحمرارٍ خفيفٍ حولهما، ونُحُول جسدها الذي اعتدته بدى مضاعفاً، بوضع سبابتها على الفم أوصدتْ الباب بهدوءٍ بينما ثبّتتْ كتاب التربية الدينية بين ساقيها وأشارت أن نجلس خارجاً في بقعةٍ مظلّلةٍ تحت عريشة العنب، وهناك انطلق سيل أسئلتي التي لم تُجِبْ عن أيٍّ منها، شردتْ قليلاً ثم أمسكَتْ الكتاب وحجبَتْ به وجهها “شو بكي؟” سألتُها بينما حاولتُ نزع الكتاب عن وجهها دون جدوى، صوت بكائها المكبوت بين صفحاته قادني إلى أن أشاركها ذات الفعل.
للحظاتٍ توقّفْنا،
بعدها، معاً مسحنَا ماء عينينا بأكمامنا.
سألتني عن الدروس المقرّرة للامتحان، كثيراً ما كانت تتغيّبُ عن المدرسة، تأتي وتعود بذات الملامح الحزينة، لا أذكر ضحكتها بل صمتها وهالة اليأس في محيّاها، لا تخلو حراكتها من التّردد والحذر الذي حفظناه صغاراً عن محيطنا ذاك الذي اتّفَق الجميع على تسميته احتراماً!
في ذلك المنزل يموج خوفٌ معتّقٌ سَيثِبُ في وجهكَ ليصفعكَ بهدوءٍ مريب.
هل شعرتَ بنسمة خوفٍ من قبل؟ أجل ومن منّا لم يفعل. هل رأيته؟… .
بالطبع لا، إنّه يعشّش في المنازل كحشراتٍ الكوموهين “الأرضة” تلك التي تحتلّ الأثاث وتبدأ بالتهامه بصمتٍ وسريّة فتحِيله أجوفاً، وفي يومٍ عاديٍّ ومشْمسٍ بينما تُبدّل ثيابكَ ستكتشف بأنّ خزائنكَ ليست سوى حفنةٍ من الغبار، الخوف كذلك يفعل يلتهم الأحاسيس جميعها ليحيل أصحابها إلى هياكل فارغة.
ربّما كنتُ الوحيدة التي شَعرتْ به بحكم تردّدي اليوميّ إلى منزلهم، فمن يهتمّ لوجود طفلةٍ تُعامَلُ على أنّها كائنٌ غير مرئيّ لا بأس أن يرى ويسمع أيَّ شيء، تراقِب من بعيد حتى تفرغ صديقتها لتلعبا معاً، هناك حول طبق الطّعام كان يأكل معهم، ينعكس في نظراتهم الحائرة وفي أكفّهم الصغيرة التي بالكاد تصل إلى الأطباق، رؤوسهم محنّيةٌ بينما يتكلم هو بصوتٍ حادٍ وعالٍ، ويُطلِق عليهم ما يحلو له من الصّفات، لا أحد يجرؤ على مقاطعته، يسخر من أحدهم ثم يطلق ضحكةً عالية ويتابع مضغَ طعامه، أكثر ما أتذكّره هو العروق النافرة على جلد يديه المدبوغتين وعينيه اللتين يقلّبهما كلما أراد تعنيف أحدهم، كنتُ أخافه أيضاً خوف المجهول لا خوف المعلوم كما يفعلون هم، الأطفال الثلاثة وأمّهم.
أنهينا المرحلة الإعداديّة وافترقْنا، لكن رغم اختلاف طريقَينا تابعنا التّواصل بالجلوس على الصّخور بين المنزلين، تماماً كما كنّا نفعل عندما أُصدِر قرارٌ بتعلية السّور الحجريّ بسبب سوء تفاهم بين والدينا، لكنّنا لم نُعِرِ الأمر أيّة أهميّة وبقينا نتواصل هناك خفية.
تلك لم تكن المرّة الوحيدة، الكدمات الدائمة على جسدها كانت تقول ذلك، لكنّ أحداً لم يكن ليتدخلَ ما دام العراك بين الزوجين. وحده اتصال رفيقتي الخائفة كان يُؤجّل الألم قليلاً، تطلب دعماً من والديّ عندما يهزمها الخوف، خوفها على أمّها التي أتقنتِ الحزن لدرجة الابتسام في وجهه، وخوفها من والدها الذي لم يغير عاداته حتى بعد أن فاجأه مرضٌ خبيثٌ أشدّ خبثاً من الكوموهين، عاركه طوال سبع سنوات.
رأيت صورةً حديثةً لها، التجاعيد ازدادت حول العينين، وأرخى الحزن بشرتها السمراء الناعمة أسفل الخدين البارزين لكنّها على الرغم مما قاسته مازالت كعهدها تتنقّل بثقةٍ بشعرها المصبوغ وأناقتها الدائمة تُصارع مرارتها بكلّ مافيها من عزمٍ لدرجة أنّها ابتكرتْ أمثالها الخاصة، كحكمةٍ استخلصتها من معاشرة الزوج العنيف.
أمّا صديقتي الفتاة الصّغيرة ذات العينين الخضراوتين والشعر الأشقر صارت شابةً رائعة الجمال، هزمت خوفها، صحيحٌ أنّها لم تمتلك “طبولاً لتقرعها” فإرثُ أمّها لم يكن سوى الحزن، لكنّ ما فاضت به من حبٍ وطيبة كفاها لترمّم دربها وتكملَ بسلام.

عن أمل فارس

أمل فارس
كاتبة من سوريا مقيمة في فنزويلا.