الصفحة الرئيسية / تجريب / حتّى الّذين خَرجوا سَالِمينْ
اللوحة لفرانثيسكو غويا

حتّى الّذين خَرجوا سَالِمينْ

كنتُ في العاشرة من عمري، حين حاولت أن أصبح كاتباً، كنت أكتب العنوان لأيّامٍ على الدّفتر دون أيّ كلمةٍ واحدةٍ من النصّ، أحاول أن أستخلصَ الكلماتِ من الهواء، أركض دون توقّفٍ علّني أجِد النصَّ المناسب لي، ثم حين كبرتُ، سقطْتُ خائفاً أمام المجزرة.

لم ينجُ أحدٌ من الحرب، حتّى الذين خَرجوا سالمين منها، حاصرَتْهم الذكريات.

كانوا يكتبونَ أسماءَ الشّهداءِ ولحظاتِهم دونَ المرورِ بالتّفاصيل.

يَضعُ المقاتلُ دفترَ ذكرياتِه وصورَ الّذين كانوا معهُ في صندوقِ خشبٍ، يُقفله بإحكامٍ علّها الذّكرياتُ تَبقى داخل الصّندوق أيضاً.

كان الشّتاء أكثرَ قسوةً من الحرب كلِّها،

كنتُ أحاولُ دائماً إخفاءَ رجفَةِ البردِ، كي لا يعتقدَ الآخرون أنّها خوفٌ من المعركة.

في السّابق، كانتْ جدّتي دائماً تُرغِمُني على ارتداءِ كنزةِ صوفٍ عتيقةٍ خوفاً من بردِ الشّتاء.

لهذا أردْتُ أن أصبحَ كاتباً، كي أكتبَ الشّتاء دونَ كنزةِ صوفْ.

أمّا الآن،

فقدْ تحوّلَتْ كلُّ حروفِ اللغة، لم يعدْ بإمكاني وصفُ الشّتاء كما أحبُّ.

 بعدَ أن سقط جسدي على الأرض رُغماً عني، ضَممتُه من شدّة البرد، وتذكّرْتُ جدّتي وكنزتَها الدّافئة، حتّى تَغيّرَ كلُّ شيءٍ بعد أن رحلتْ جدتي، أصبحَتِ النّصوص الأدبيّة دون معنى.

لم أستطع أن أكون كاتباً، وحدَه الكاتب من يستطيعُ أن يصِفَ ملامَحَ الوجوه أو شتاءً بارداً، أمّا أنا فتكسِرنِي الخَيبة، في الشّتاء أقولُ أن البرد يُجمِّدُ أصابعي، وأنّ الوجوهَ المتعبةَ حولي، تُشعرني بالسّقوط أكثر.

كنتُ دائماً أسألُ نفْسي،

ما الطّريق الذي كان علينا أن نَسير فيه، حتّى نتجنّبَ كلَّ تلك الكوابيس؟

لماذا علينا أن ننظرَ إلى المستقبلِ ونحنُ عالقينَ في ذاكرة الماضي؟

ثمَّ، إنّي لم أفهمْ بعدُ:

كيف يمكنُ للذّكرياتِ أن تقتُلَنا بكلِّ هذا الهدوءِ بعد أن نَجونَا من المعركة!

كيفَ يمكنُ أن يسكُنَ المقاتلُ بيتاً هادئاً، أو غرفةً لا يسمعُ فيها صوتَ الرّصاص!

ألَمْ تَكُنِ الغايةُ من كلِّ هذه الحرب، هي السّلامُ في النهاية!

منذُ فترةٍ، أخبرَني صديقي أنّه معجبٌ ببعضِ النّصوصِ التي يكتُبُها النّاس مُحاولِين وصفَ الحرب، وأنّه سيحاولُ أن يكتبَ أيضاً، يضعُ فنجانَ قهوتِه في آخر اللّيل، ويكتبُ حتّى تمتلِئ الصّفحة، ثمّ ينظرُ إليها وكأنّها تُنقذِه من مضمُونها.

لا،

إنما أنا أكتبُ لأنّي أريدُ ذلكَ فقط، فلا شيء في هذه الأسطرِ يخفّفُ عنّي كلَّ هذا التّعب.

عن أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم