الصفحة الرئيسية / تجريب / ركضتُ كثيراً في الغابة أصبحتُ وحشاً (نصوص)

ركضتُ كثيراً في الغابة أصبحتُ وحشاً (نصوص)

مقطع من تشكيل لأوغست ناترر -ويكيبيديا

1
في المساء وأنتَ تمشي كما تشاء
لا لشيء ولكن كل ما عندك سواء
ولا شيء يشي بأنه موشك على الانتهاء
هكذا كبحر يحرّك أمواجه
لا ليُغرق أحد ولا كي يسلي الأسماك
أو كي يرسل زجاجة حليب إلى عطشى السماء
لا لشيء بل لأنّه ملَّ ……….
كريحٍ ركضت بأحذيتها الخفيفة
لا كي تحمل البذور
ولا كي تحرك الأغصان ويستيقظ العصفور
بل لأنّها ملّتْ………
كقمر الصيف سحب غيمة ومسح بها وجهه
لا كي يزيل العفر ولا كي يستأذن المطر
لينحني أمام فساتين الزهور
بل لأنّه ملّ………..
كشمس الظهيرة عندما تسرق مناديل السماء
لا كي تجفف عرقها
ولا كي تملأ البئر أمام فلّاحة صغيرة تنتظر طوابير الجِرار
بل لأنّها ملّت…..
كسنجاب خرج من جحره
لا ليكتشف الحياة الجميلة
ولا كي يبحث عن الجوز غير آبه بالصقور حوله
ولا كي يجد جحراً جديداً
بل لأنه ملّ……….
كجندي هرب من قطعته العسكرية
وترك بندقيته على سريره
لا كي يزور أمه العجوز
ولا حبيبته التي ملّت من متابعة الأخبار
بل لأنه ملّ
ملّ جدا من رائحة البارود…..


2

أبي الذي قال لي الفرصة لا تتكرر
و الخبز بارد حين ترحل الأمهات
لأبي قلوب عديدة
لا ينفع التراب إذا اُقتلعت أزهار القلب
البحّار الذي زرته في هذه المدينة هذا الصباح
عندما كان البحر كأغنية تبحث عنها منذ زمن
قال لي البحر لذة وإغراء و الأسماك الزاهدة لا تعيش
وحدها من تناور الطعم تعيش قلوبها
حكمة البحارة أن تغني وأنت محاصر
في عرفنا حتى لو انتشرت المجاعة لا تشوِ على ظهر القارب
ذكّرني بالراعي الصغير الذي مرّ بقطيعه قرب بيتنا
حين قال لي
الجرس المعلق على رقبة الخروف الأبيض أمل دروب القرية
أما أن كنتُ أربي القصص الصغيرة وأجمع الخراف البيضاء
لعلها تكبر و تملأ سهلنا الأخضر
لقد كبرتُ يا أبي
أصبحت أقرض النظريات و أصنع مكنسة من أوراق الشجر
وأنظف شوارع المدينة حين تنتشر جرذان الطاعون


3

كبير أنت يا وطن
كبير بالحزن
وخدماتك جليلة
لم تقدّم يوما خدمة مجانية
ولكنك بالحزن تقدم عروض مجانية عديدة…
تفتحُ ثقبا بالباب
لا كي نشاهدَ الضوء الساطع في الممر من غرفنا المظلمة
بل كي يسترق أولاد الجيران النظر إلينا….
تُضيء أعمدة الشارع في الليل
لا كي تجدَ العصافير الخبز المرمي على الرصيف
بل كي تكشف ما في شرفتنا لكل هذا العالم….
تدقُّ مسماراً في صحة الجدار
لا كي ترقص ساعات الزمن
ولا كي نعلق ثيابنا المتعبة
بل كي تعلّق عليها صور أبطالك …
قدّمنا لك كل عصافيرنا
كي تنام على ثمارك ويزورنا الأصدقاء
صنعتَ منها وسائد للمترفين…
أهديناك فنجان قهوتنا كي نسمع من أذنه
أنك ستقول لنا :
في الصباح ستشرب قهوتك مع أمك على سطح المنزل
جعلتَ فنجاننا يسترق السمع علينا
وينقل لك كل ما نقوله حين نشتري عبوة من القهوة الأجنبية
ونربح في العرض فنجانا وطنبا
زجاجك كثير ايها الوطن
وكبير أنت يا وطن
كبير
وأنا مثلك كبير
ركضتُ كثيراً في البراري
أصبحت وحشاً
أستطيع أن اُحرنَ أي شخص بخمس دقائق وأنا أضحك من حزنه
هكذا………………..
هكذا كثيرا ……………………..

عن نوزاد جعدان

نوزاد جعدان
مواليد مدينة حلب، مقيم في الإمارات العربية. لديه ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة ومجموعة قصصية ومسرحية مطبوعة وكتاب توثيقي عن رواد السينما الهندية.