الخارج

كويشي ياماموتو

كلبان أحدهما مرقّط بالأبيض والأسود والآخر أحمر حمرة شاحبة. ماذا يكون الأحمر الشّاحب؟ أظنّ أنّه القرمزي.
كلاهما مربوط. أحدهما إلى الكرمة، والآخر إلى سلك طويل بين وتدين كي يتمكّن من الحركة على طول قطر السّلك حين يتسلّل أحد الغرباء.
شجرة لوز.
صنوبرة وأفق.
أمّي تأتي من الحقل تحمل باقة من شقائق النّعمان..
شرفة وأنا.
الكلب المرقّط:
لا أحد يريد أن يصطاده كي يصنع من جلده فروا باهضًا. و لا أحد يريد أن يزوّجه من كلبة مرقّطة من أجل إنجاب الكثير من الفروات الباهضة. هو فقط، يجلس على ساقيه الخلفيّتين ويلحس أيره من حين لآخر.إنّه كلب.
في الحقيقة، هو ليس كلبًا كثيرًا.
إذ كيف يمكن أن يكون كلبًا دون كلبيّة ودون كلبة؟
هذا الكلب لا يحقّ لليو فرّي أن يغنيّ من أجله ولا أن يتكلّم بالنّيابة عنه ولا أن يصرخ صرخته الكلبيّة تلك:
“نحن كلاب بكامل الإرادة
ولسنا أبدًا ضدّ أن يأتوا لنا ببعض الكلبات
لأنّهنّ مجعولات لهذا الأمر.”
الكلبيّة أمر مذهل. على الأقلّ لن يكون هناك كلبات نسويّات. نسويّات ليست النّعت المناسب، وليس هناك استبدال مناسب ل “كلبات نسويّات”، وأنا لن أكسر دماغي للبحث عن ذلك. الكلاب سينكحون الكلبات. والكلبات سينكحن الكلاب. بكامل المتعة والأريحيّة. دون ابتزاز ولا لافتات كبيرة في المظاهرات… أنا لستُ عدوّا للنّساء ولا للنّسويّات ولكنّ هذا الشّيء الذّي يسمّونه ذكوريّة لا يعادي المرأة الحرّة فحسب بل الرّجل الحرّ على حدّ سواء، لأنّه عليه أن يتصرّف في كلّ مرّة وكأنّه مذنب في إرث ليس له دخل فيه وهكذا يتحوّل إلى عبد، وهذه حكاية طويلة.

لنعدْ إلى المرقّط. المرقّط ليس كلبًا تمامًا. إنّه صورة كلب.
الكلب القرمزي:
يشبه البولدوك ولكنّه ليس بولدوكًا. ينبح كثيرًا. النّباح عيب الكلب. إهانة للكلب. خاصّة حين يكون هذا الكلب أشبه بالبولدوك. هناك الكثير من الأمثال التّي تسخر من النّباح. هل لأنّ النّباح عجز عن العضّ؟ حين أرى أحدًا وقد عضّه كلب، أفرح فرحًا لا يخلو أبدًا من بعض الساديّة. العضّ استعادة للكلبيّة. والكلاب لا يمكن لها أن تكون كلابًا إلّا حين تكون سائبة وحين تعضّ.
ليو فرّي أراد هذه الاستعارة بالذّات، أليس كذلك؟
شجرة اللّوز:
لم تُزهر أو لعلّها أزهرت دون أن أنتبه للأمر. لماذا يحبّ النّاس زهر اللّوز؟ أنا شخصيًّا، أعتقد أنّني أحبّه لأنّه يذكّرني بالثّلج. ولأنّني طالما أردت أن يكون الثّلج ثمرة وليس مجرّد ماء متجمّد. من السّحريّ أن تقطف الثّلج من الشّجرة وأن تكون هذه الشّجرة شجرة لوز. ومن السحريّ أيضًا أن يتساقط الثّلج من الشّجرة عوض أن يتساقط من السّماء. فالسّماء مرتفعة أكثر من اللّازم ولذلك عادة ما تتغلّب ميتافيزقيّتها على شعريّتها. السّماء كانت ستكون أفضل، وأكثر شاعريّة، لو أنّها كانت شجرة لوز. الصّنوبرة:
شجرة غريبة، إنّها تبدو دائمًا و كأنّها تعانق نفسها وتنظر إلى فوق. أقول إلى فوق، وليس إلى السّماء. فإن كانت السّماء تحوز هذا الفوق، فهذا ليس ذنب الصّنوبرة. الصّنوبرة ليس لها أذرع مفتوحة مثل باقي الأشجار. أذرعها مدغومة في جذعها. و هذا أفضل. أن يعانق أحد نفسه خير من أن يعانق الهواء. الصّنوبرة كائن متوحّد ووحيد جدًّا وينظر إلى فوق. هل هي متكبّرة أم زاهدة؟ شخصيًّا، أظنّ أنّها زاهدة. إنّها لا تبالي حتّى بمن يتكبّد مشقّة خارقة كي يقطعها.
الأفق:
ليس الأفق أفقًا. إنّه فقط آلهة. البشر خلق الآلهة كي يحسّ بالأمان. تفلسف كثيرًا من أجل ذلك. تقاتل مع نفسه. انهار أحيانًا. حكى الكثير من الحكايات وأنشأ الكثير من الأساطير. ثمّ جعل نفسه ينساها عمدًا، كي تنفلت منه في النّهاية وتتعملق، وتنجب إلهًَا. لم يكن الأمر يستحقّ كلّ هذا الشّقاء. كان هناك الأفق. الأفق يمنح الإنسان الأمان فورًا و مجانًا. إنّه يرسم له النّهاية كي لا يصبح أعمى. هو لا يرسم النّهاية في حقيقة الأمر، لكنّه يرسم نهاية البصر. وبسبب هذه النّهاية المزعومة بالذّات، يستطيع أن يكون للبصر معنى. البصر هو قمّة الشّعور بالأمان. ليس البصر فحسب، بل النّهاية أيضًا. لنقل البصر النّهائي. بإمكاننا أن نقول أيضًا: النّهاية البصريّة. ليس الأمان شيئا آخر سوى هذا.
أمّي:
كتاب بأسره كتبه غوركي اسمه أمّي. أقصد, اسمه الأمّ. هل تراني سأمزح بأمّي من أجل مجرّد استعارات؟ ليس للأمر علاقة بقداسة الأمومة، ولا بدناسة العالم، بل بشيء آخر رهيب وغامض وبعيد كلّ البعد عن الخير والشرّ، والجمال والقبح. أمّي. في البدء، كانت هناك الرّائحة. لماذا أراد غوركي أن يجعل الأمّ نكرة رغم أنّه عرّفها بالألف واللّام؟ أتساءل أيضًا وفي أحيان كثيرة، إن كان بإمكاني أن أصبح أمًّا. في أحد الأيام، قالت لي حبيبتي إنّه من الغريب جدّا أن أتخيّل أنّني سأنجب أطفالًا ذكورًا. أنا لا يمكن لي أن أنجب سوى الإناث. أنا لا يمكن لي أن أنجب سوى نفسي.
أكثر شخص تطفّل على الأمومة باختصارات نفسيّة مريبة هو فرويد. رغم أنّ فرويد كان بالأساس شاعرًا. رسائله لأندري بروتون والبعض من كتبه تشي بذلك فورًا. لكنّه ضلّ طريقه. لأنّه أراد أن يصبح حكيمًا. والحكمة شيءٌ سيّء. إنّها عجز سافر عن التّسليم بلا محدوديّة العالم.
شقائق النّعمان:
أراها في كلّ يوم من سيّارات الأجرة بحمرة ناصعة وسط خضرة السّنابل الشّاحبة الأقرب إلى الصّفرة، فأرغب فورًا في النّزول للقيام بسيلفي. أكثر شيء شاعريّ على الإطلاق، هو شقائق نعمان ناصعة الحمرة وسط سنابل شاحبة الخضرة. والأكثر شاعريّة من ذلك، أنّه لا أحد زرع شقائق النّعمان وهو يزرع بذور القمح. إنّه لقاء أشبه بلقاء الجميلة والوحش. غير أنّ الوحش في هذه المرّة، أجمل من الجميلة. ولكن، أنا لا أستطيع النّزول فجأة من سيارة الأجرة لأنّها ليست سيّارتي، والأكثر من ذلك أنّه ليس لديّ هاتف ذكيّ يلتقط الصّور. أنا لست بخيلا..
فقط، من شدّة رغبتي في الانتقام من النمطيّة، أصبحت أحرم نفسي من بعض الأشياء الجميلة والممتعة. ولكن، ما نفع هاتف ذكيّ دون سيّارة، وما نفع سيّارة دون رخصة سياقة، وما السّبيل إلى رخصة سياقة دون التخلّص ولو قليلًا من ازدراء سلطة الحمقى؟
الشّرفة:
أن يكون لديك مكان فريد وخاصّ، أنت ولا أحد سواك، يمكّنك من مراقبة العالم. حيث الأشياء صافية إلى حدّ ساحر، خالية من الزّغب والنّشاز، وجاهزة من أجل التّأمّل ومن أجل استعادة ذاتك. أنت لن تتوه إلى أن تختفي بالكامل داخل الزّحامات: زحام النّاس وزحام المباني وزحام الأخبار وزحام الأيّام. أنت الله الآن. وبدل أن يكون هناك أكوان، ثمّ كون، ثمّ مجرّات، ثمّ مجرّة، ثمّ مجموعة شّمسيّة، ثمّ أرض، ثمّ وطن، ثمّ أنت، يصبح هناك أنت أوّلًا ثمّ اللاّ أنت ثانيًا. اللّا أنت هو كلّ هذا العالم الممتدّ من الصّفر إلى اللاّ نهائي. واللاّ أنت يصبح مقابلًا لك أنت وكأنّه ندّ حقيقيّ لك.
لكنْ، انتبهْ. اللّحظة ذاتها التّي تستعيد فيها ذاتك كاملة هي اللّحظة ذاتها التّي تنتهي فيها الحدود بينك وبين العالم. تخرج من الاغتراب كي تُدغم في الوجود. أنت هنا، و بين يديك تيلوسكوب الكون. و هاهي مجرّة عجلة العربة الأشبه بإسفنجة بحريّة عاشقة.
تنزل من شرفتك مثلما ينزل أوديب من فوق خشبة المسرح. أوديب لن يلعب الدّور ذاته إلى ما لا نهاية . إلى الخارج، عيناك هما شرفتا جسدك فاخرجْ من جسدك.
العالم يوجد في الخارج.
ـــــــــ
بقيَ أنا،
و أنا
– طبعا –
لا أحد.

عن فهمي بلطي

فهمي بلطي
كاتب من تونس