شهيد!

لقطة من فيلم "نساء بلا ابتسامات" للمخرجة شيرين نشأت
جنازةٌ مهيبةٌ تلك التي مررتُ بها اليوم، لا أقصد بكلمة مهيبة ما كنّا نراه سابقاً من تفاصيل الجنازات في زمن الموت الجميل، سيارة تعلن موت أحدهم، وخلفها سيارات تمشي ببطءٍ، وأكاليل من الورد تستند على حواف كلّ سيارة.. وحلوى تُوزَّع على الواقفين لتُسعِد روح الميت!
ولا أقصد أيضاً تلك الجنازات المنتشرة هذه الأيام، والتي يُحتفى فيها بالميّت بكمٍّ هائلٍ من الرّصاص قد يصيب أحدهم، بل قد يرديه شهيداً آخر..
أيضاً لا أقصد تلك الجنازات التي كانت تتحوّل إلى أعراسٍ تغصّ بالهتاف والإرادة التي تَعلو لتقاربَ روح الشهيد هناك.. ذلك كان في بدايات الحلم الذي استحال كابوساً..
كلمة مهيبة هنا لا تعني كلّ هذا.. ربّما استخدمتُها بشكلٍ خاطئ.. أو ربّما بشكل صحيح، المهمُّ هي جنازة.. مشى فيها عدد من الرجال والأطفال، يتقدّمهم أربعةٌ يحملون النّعش.. ويرفعون صوتهم بفاتحةٍ للشهيد.. قبل أن يذهبوا بها إلى حديقة قريبة للدفن!
كنت في عجلةٍ من أمري، والشمس تصفعني بحرارةٍ لا تفتر، ولكنّني تركتُ سيارة الأجرة التي أشرتُ لها بالوقوف، وتحمّلتُ لهيب الشمس، ووقفت أرقبُ الجنازة، ورهبة الموت تتلبّس بي، مازال رغم ابتذاله في هذا الوطن، يملك رهبة! رفعت كفيّ لقراءة الفاتحة، عندما لمست وجهي ارتطمت أصابعي بقطرات عرقٍ بدأتْ تنزُّ من جبيني الملتهب.
صاحب السيارة بدأ يطلق زموره لاستعجالي، كنتُ مأخوذةً بمشهدٍ يتكرَّر يومياً ربّما، ولكنّني وككلّ من في هذا الوطن أُدمنُ تكرار الوجع..
كنت أشير إلى السائق بالتّريّث، بينما بدأتْ دمعة حارة تداعب جفني تريد الانهمار.. وأنا أفكّر بالشهيد، كلمة شهيد كانت تحمل كلّ معاني البطولة، الآن باتت تملك من البراءة ما يفوق كلّ هذا.. فأكثر الشهداء الآن أطفال.. ولكنّه ليس طفلاً، غالباً هو شخصٌ بريءٌ سقطَ بقذيفةٍ البارحة.. تابعتُ الأسماء، ربّما هو ذاك الشاب ذو السابعة والعشرين من العمر!
تركتُ عيناي تلاحقان ما أمكنَ لهما من الجنازة، وصعدتُ إلى السيارة، قال السائق بتذمّرٍ وتهكّمٍ: ألم ترَي جنازةً قبل الآن!؟ لم أجبه على سؤاله، ولكنني وعدّته بالتّعويض..
فتحتُ شبّاك السيارة على آخره، لأتنفَّسَ كلّ ما خزّنه هذا الجوّ الحار من هواءٍ، تناولتُ منديلاً من حقيبتي، وأنا أغالبِ دمعتي، فأولويّة اللحظة الآن أن أجفّف العرق الذي بدأ يتولّد من جبهتي، ولكنني ما إن رفعتُ النظارة، حتى بدأتْ الدموع تنهمرُ بغزارةٍ، وكأنّها كانتْ محبوسةً ووجَدتْ خلاصَها، السائق يُراقبني من المرآة، ولكنّني أشِيح النظر عنه نحو الشارع، قال: هل هو حبيبك!؟ لا يمكن أن يكون قريباً، وإلا كنت الآن قرب أمّه! لم أجِبْه، كنت قد سيطرتْ على حمّى الحرّ التي أصابتني، وغلبتُ الدمع، بل ربّما ابتلعتُه، أعدتُ النظارة إلى عينيّ.. وتابعتُ التّحديقَ في الشّارع..
السؤال الذي طرحه السائق بحشريّةٍ زائدةٍ عاد يدور في رأسي، وحملني إلى قلبِ أم ثكلى، في لحظةٍ كنتها، أكذب الخبر الذي جاء، أشهق، أندب، أرتمي أرضاً، وأصرخ: كيف تركتني أيّها الموت، وأخذته.. ثمّ أنهض لأزغرد، وأمشي بخيلاء، فأنا أمّ الشهيد، لحظات وأنكسر، ويغلبني دمعٌ لا يفتر.. أتساقط فوق الجثة، وألثم كلّ جزء فيها، أناجي الشهيد.. وأعاود التماسك. .أنهض، أطالبهم بدفن وجنازة تليق.. وما إن تمضي الجنازة حتى أنهار مجدداً.. كان قلبي يؤدي دور الأم التي كنتها في خيالي واقعاً، فقد كان يتقطّع، ويخفت في نبضه، ثمّ يتسارع، يضربني بقوة يريد الخلاص، ثمّ يخفت..
أخرجت رأسي لأضم الهواء المتسارع، والذي يرمّم اختناقي كأنبوبة أوكسجين، حتى استقر نبضي أخيراً.. وقفت السيارة أمام حاجز، طلب الجنديّ من السائق التريث، وأخذ هويته، تطلع السائق بي قائلاً: هو يوم من أوله نحس!
لم أعره اهتماماً، كنت مشغولة بمراقبة الشارع حولي، لمحت على سور الجامعة أمامي، شاباً وصبية، يتبادلان نظرات الحب، يدها تغفو في يده، ينخفض نحوها، ويلثمها، تحمرّ هي بخجل.. تحاول أن تسحب يدها، فيحضنها بكلتا يديه، ثمّ يرفعها إلى قلبه، لتتلمس النبضات.. ابتسمت لهما، وابتسم قلبي أيضاً، ولكنه نخز ذاكرتي بسؤال السائق: هل هو حبيبك!؟
ففاض قلبي بفوضى فَقْدِ حبٍّ كهذا.. يااااه أيّ وجع!؟ عاد قلبي للانقباض، وفي لحظات كنت الحبيبة، تلك المبعدة، التي لا تملك أن تكون شاهدة على تفاصيل الرحيل، ويغدو حضورها مجرد ترف، فماذا يعني أن تبكي حبيبة، والأم هناك تبكي.. من سيهتم بها.. من سيواسيها..!؟ تجمّع الدمع في عينيّ مجدداً.. كاد أن ينهمر قبل أن يقول السائق: تشربي قهوة!؟
ابتسمت له، وقلت: لا شكراً، وبودي لو أقول له: نعم، فالقهوة الآن حاجة ملحة لهذا الجسد الذي يحملني، ولكنني بهذا سأفتح لهذا السائق باباً واسعاً للثرثرة.
تحركت السيارة، وكان العاشقان، قد مضيا معاً في الاتجاه المعاكس، وعُدْتُ تلك الحبيبة الثكلى، التي فقدتْ حبيباً لا تملك أن تكون في جنازته..
فقدتً رغبتي في الذهاب إلى الاجتماع الخاص بالعمل، لقد تأخرتُ بطبيعة الحال، طلبت من السائق أن يعيدني من حيث جاء بي، نظر إليّ بشفقةٍ ممزوجةٍ بلؤمٍ، وقال: صبّرك الله!
في طريق العودة، رحتُ أرسم صورةً لذلك الشاب الشهيد، تراني أعرفه، لا بدّ أنني أعرفه، فقد خرجت الجنازة من جامع قريب من بيتي، ربّما صدفته مرات، بل ربّما أعرفه.. قلبي يضربني بشدّة، وأطرافي تلبسها بردٌ مفاجئ، أنفاسي بدأت تتقطع.. وصلت حيث ركبت مع السائق، ولكنني طلبت منه أن يوصلني أمام البيت..
نزلت أخيراً كعجوز هرمة، أجرّني بتثاقل، صعدت الدرج بهدوءٍ، فتحت الباب، دخلت على مهل، ونحو السرير رميت نفسي.. واستسلمتُ لغيبوبة نومٍ مفاجئ! صحوتُ على صوت جارٍ لي يضحك، وهو يقول: يا عمّي شهيد!! استغربتُ الضحك بهذا الصوت المرتفِع الساخر!
دخل أخي مستعجلاً نحو غرفتي، وقال لي: هل عرفتِ جنازة من كانت اليوم!
نهضتُ بتثاقلٍ، وحضّرتُ روحي لصاعقٍة تعيدني إلى دمع مبرّر، ثمّ قلتُ بصوت مرتجف: من!؟ قال: تخيلي.. إنّه ذلك الرجل السكير الذي يزعجنا كلّ يوم بصراخه وكفره وفحشه، والذي يرمي بزوجه كلّ ليلة خارج المنزل، تعرفينه ذاك الرجل الذي ضربَ الطّفل الصغير من يومين ليأخذ دوره على منهلِ الماء..
دخل الحارة البارحة، وهو سكران لا يدري شيئاً، صعد إلى أعلى المئذنة في الجامع الذي التي يطلّ على الطرف الآخر من حلب، وأشعل سيجارة، فاصطاده القناص في رأسه! وسقط ميتاً في المئذنة.. بعض رجال الحيّ اعتبروه تائباً، فألبسوه ثوب رجل صالح عاد من ضلاله، وشيّعوه شهيداً..!

عن غفران طحان

غفران طحان
كاتبة سورية، صدر لها مجموعتين قصصيتين: كحلم أبيض - عالم آخر يخصني ولها قيد الطبع "تلك الحكاية نفسها" قصص تتناول الحرب في سوريا. وصدر لها أيضًا: حلم يغفو على مطر، همسات نثرية. لها عدد من المشاركات في الصحف والمجلات العربية.