الصفحة الرئيسية / تجريب / هذا العالَم ضيّق، تعال أحبّك
لقطة من فيلم نوستالجيا /تاركوفسكي/يوتيوب

هذا العالَم ضيّق، تعال أحبّك

هذا العالم ضيقٌ جدًا، كلّما حاولتُ الكتابة فاضَ الحبرُ على أصابعي وعلى مساحات الأوراق محدِثًا زحامًا هائلًا في المخيّلة، كلما أردتُ ترتيبَ التفاصيل في خزانةٍ أحفظ رفوفها ينخلعُ بابها ويسقطُ كلّ شيء على رأسي، كلّما مشيتُ باتّجاه الحبّ أرتطمُ بجدرانِ المدنِ والحروبِ والعمرِ والهمومِ والمسافات.

بينما كنت البارحة أختنق، لم أتمالك نفسي وأنا أقفز إلى الشّاشة وأسقط في فيلم اسمهُ “نوستالجيا”، ليست مصادفةً طبعًا، كلّ هذه الأبنيـة تبدو كذاكرةٍ متصدّعةٍ، كنتُ أقولُ سرًّا لـ “تاركوفسـكي”:
.أريدُ أن أصيرَ نجمـةً ، أريدُ أن أكونَ كلّ النساء.
يضحكُ من عرفَ باكرًا كيفَ يحرّكُ الكاميـرا، ويأخذني بداخلها في جولةٍ لأجرّبَ مَشاهدًا تمرنتُ طويلًا عليها فأعودُ منهكةً كأنما أضعتُ نفسي في لقطةٍ لا أذكرها،
أقطعُ كلّ الضبابِ لأجدني على مسرح الأوسكار، حينها أدرك أنني أتقنت الحبّ جيدًا، وأتذكّرُ بينما أحملُ جائزة “أفضلِ عاشقة”، لحظة زهوٍّ قلتُ لكَ فيها : – أعرفُ شيئاً لا تعرفه، تخيّل!

أقصرُ خطابٍ لحاملِ جائزةٍ كان لـ”هيتشكوك”، رجلٌ عظيمٌ مثلـه اكتفى بأن يقول: “شكراً لكم”.

تجيب : – بخيـل ، وتبتسم
(أُجاكـرك) و أكونُ أبخل منه ، فأقولُ “شكرًا لـ أنت”، فـقـط أنت، وأطمئنُّ أنك دومًا في الكواليسِ تضبطُ صوتي و تُراعي خجلي، تبعدُ عينيكَ حينَ “أستحي” و تمسكُني قبل أن أقعَ في اللعثمة.

تعالَ نهرب، أقول لك تعال نسقط كل مرةٍ في شاشةٍ أو فيلمٍ ونجوب العالم والشوارع، نتقمص العشّاق في كل البلدان المختلفة ونقلّد الأفعال المجنونة والغريبة التي قد يفعلونها، حتى أنني مستعدّة لصبغ شعري بالأزرق، لارتداء فساتين الستينيّات والجوارب الطويلة السوداء تحتها، مستعدةٌ لأن أحبك حتى وأنت تلعب دور عازف جاز أو بائع مخدرات ربّما، أو حتى عجوزٍ مصابٍ بالزهايمر ينظر إليّ باستغرابٍ كل قليل وأعيد تذكيره باسمي، هذا ما كنت أحلم به دائماً، أن نركبُ درّاجتينا و نغادر الكوكبَ كلما شعرنا بالملل ، كلّما سقطت قذيفة ، كلّما تهدّم دكّانٌ كان يبيعنا الكتب والأفلام والابتسامات.

تعالَ نعقد اتفاقًا، لا تكتب لي ولا أكتب لك، نكتب معًا عن كل شيء، تخبرُني عن ابنةِ صديقك التي عضّت إصبعك، وكيفَ خيّطتَ زرّكَ المقطوع دون مساعدتي، وأخبرك عن رجلٍ غازلني ثمّ اضطرّ للاعتذار لأنني بكيتُ من شدّة ما افتقدتُـك، أغفرُ لك “زعرَنتك” ، وتغفرُ لي رسائلي البلهاء، مثلاً حين قلت : ” لديّ لأحبّك عشر رئاتٍ و دزينةً من القلوب، لكن فقط معدةٌ واحدةٌ تتشنّجُ حين أشعرُ بالغيرةِ وتؤلمني جدّاً”.

ربّما ضحكتَ يومها، أتخيّل ضحكتكَ فيغدو الألمُ أخفّ قليلًا،
ضحكتكَ يجبُ أن تباعَ في الصيدليّات،
ضحكتكَ تصيبني بالأرقِ أسبوعًا كاملًا،
هاجسٌ يدورُ في رأسي ويجعلني أثرثر كثيرًا، يفضحُ احتياجي لكل هذه الحكايا، فقط لئلّا أقول أنّي اشتقت إليك.

كيف تحتملُ “هبلة” مثلي كل هذا الشوق وكلّ شيء يذكّرها بأن لا مكان للهرب، كيف أهرب من رجلٍ يحاصرني بأصابعه التي تحتشدُ فيها ألف نوتةٍ تصلحُ كموسيقا خلفيّةٍ لكلّ شيء، رجلٌ يقرأُ حزني من ابتسامةٍ أرسلها له على الدردشة، ويعرف كم أكذب في كتابة حرف “الهاء” و تكراره كأنني أضحك، يعرف كيف أبكي فجأةً دون أن أفهم لماذا، يعرف أيضًا أنني أفتّشُ بخبثٍ قمصانه قبل أن أحتضنها، فيتركُ لي قطعَ شوكولا ورائحة عطرٍ تشبه غاردينيا تطرقُ بلّورَ النوافذ،  كيف أربطُ قلبي بين أضلعي حين يقول “أحبّـك”، كيف أتوقّفُ عنك، عن حبّك؟

تعال أكتب لك.

عن مروة ملحم

مروة ملحم
طالبة هندسة مدنيّة