الصفحة الرئيسية / صحف وترجمات / أخطر فيلسوف في العالم

أخطر فيلسوف في العالم

دوغين في معسكر صيفي بأوسيتيا الجنوبية، جورجيا. بعد احتلالها من قبل الروس سنة ٢٠٠٨
ترجمة ربيع رعد
نشرت المادة الأصلية في موقع:

Big think للكاتب بول باتنر

 

يبدو أن الكشف عن توّرط الروس بالقرصنة على مسؤولي الحزب الديمقراطي الأمريكي، قد أضاف المزيد من الزيت على نار الصراع المتأجج بين الحزبين حول دورة الانتخابات الرئاسية. لكن لماذا تريد روسيا القيام بذلك، خصوصًا بعد الحديث عن التورط المرجّح لفلاديمير بوتين بتوجيه عملية القرصنة بشكل شخصي لصالح فوز دونالد ترامب؟ هنا يأتي دور ألكسندر دوغين، العالم السياسي المعروف بلقب “راسبوتين(1)غريغوري  راسبوتين – انظر في ويكيبيديا بوتين” أو “عقل بوتين” أو الفاشي الغامض. هو أيضًا أستاذ محاضر بعلم الاجتماع في جامعة موسكو الحكومية العريقة، وكاتب غزير الانتاج ومستشار للعديد من الشخصيات السياسية والعسكرية فضلًا عن كونه شخصية مفصلية – بموافقة الكرملن – كمنظر للفلسفة القومية.

اسم دوغين مدرج أيضًا على قائمة العقوبات الأمريكية بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم ودعوته لقتل الأوكرانيين فضلًا عن أسباب أخرى. ليس كونه كشخص لديه مسؤولية مباشرة عن عملية القرصنة التي تبدو وكأنها ثأر شخصي لبوتين ضد هيلاري كلينتون لكن تأثير دوغين الفلسفي يتوافق مع ما جرى ويفتح نافذة على الصراعات المستقبلية مع روسيا. هناك على ما يبدو دوافع أعمق بكثير وراء التصرفات الروسية.

ألكسندر دوغين هو عالم اجتماع ومؤرخ وفيلسوف. تستطيع إيجاد العديد من محاضراته عن التاريخ على منصة يوتيوب، وسيساعدك أن كنت تعرف اللغة الروسية، لكن الرجل يتقن أيضًا عشر لغات. من بين العديد من آرائه المثيرة للجدل تبرز آراؤه المعادية للعلم كدعواته إلى حظر علوم الكيمياء والفيزياء والتخلص من الإنترنت نهائيًا. ورغبته بإنهاء العالم كما نعرفه اليوم.

المصدر: dugin.ru

يجادل أيضًا بأن هناك ثلاث نظريات سياسية رائدة أثّرت على العلم في الماضي القريب نسبيًا وهي الرأسمالية الليبرالية أوالليبراليةوالشيوعية والفاشية، ووفقًا له فإن الولايات المتحدة هي قائدة العالم الليبرالي الذي يوفر الحرية الفردية والنهج العقلاني والسوق التنافسي.
بالرغم من أن الليبرالية كانت إيديولوجية الفوز حتى الآن، إذ إنها انتصرت على الفاشية عام 1945 وعلى الشيوعية عام 1991 (تفكك الاتحاد السوفييتي) إلاّ أن دوغين يعتقد أنها تعاني الآن من أزمة قاتلة وأن أول من شخصّها هم الليبراليون أنفسهم. لقد وصلت إلى طريق مسدود وهي غارقة حاليًا فيمرحلة ما بعد الحداثة العدميةلأنها تحاول تحرير نفسها من الفكر المنطقي ومعارضة العقل، وهو بالنسبةة لليبراليين أمرفاشي بحد ذاته”. ويتقدم دوغين خطوة إضافية مشبهًا الليبرالية بالجسد الذي يحاول أعضاؤه فك ارتباطهم مع سيطرة الدماغ مفسحًا الطريق لقبول مجتمعع المثليين جنسيًا.

فيما يلي شرحه للفكرة:

تصرّ الليبرالية على الحرية والتحرر من أي شكل من أشكال الهوية الجماعية، هذا هو جوهرها. لقد حررت الإنسان من الهوية القومية والدينية إلخآخر أنواع الهويات الجمعية هو الجندر (الهوية الجنسية). لذا سيأتي وقت لمحوه وجعله اختياريًا.“

ما يقترحه دوغين بديلاً لما يسميه بالنظريات الثلاث الميتة أو المحتضرة هوالنظرية السياسية الرابعةالتي ستخلق النموذج السياسي البديل في مواجهةالتقدّمفي تاريخ العالم كما هو اليوم. لن تكون قائمة على مسألة الفردية أو العرق أو القومية. هو يرى أن هذه النظرية تعتمد في جزء منها عمل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (المثير للجدل بسبب ارتباطه من النازية)، والذي تدعو نظريته الفلسفية لحفظ جذر الوعي الذاتي عند البشرية (ما يسمى بكينونة هيدغر) في العالم، كونها أُذيبت في الفضاء الحديث، أساسًا بسبب التكنولوجيا المجردة من الإنسانية.

وبما أن هذا الجذر يختلف من شخص لآخر ومن ثقافة لأُخرى، يتعين على العالم اعتماد سلطة متعددة الأقطاب بدلًا من قوة عظمى واحدة متمثلة بالولايات المتحدة. من أجل الوصول إلى هذه الغايةبحسب دوغينيجب إعادة الحس بالهوية عن البشر الذين فقدوها في جميع أنحاء العالم. يضع الرجل نظريته في تعدد الأقطاب في مواجهة ما يراه هو (وأصحاب نظرية المؤامرة حول العالم) التحرك نحو إنشاءحكومة عالميةبقيادةنخبة العولمةالمخادعة عبر حرمان الناس من الشعور بالهوية وإخضاعهم لاحتياجات الشركات المملوكة من قبلهم.

في هذا العالم عدد من القوى الإقليمية، ما هو الدور الذي ستلعبه روسيا؟ دوغين يرى روسيا كأمة قائدة للإتحاد الأوراسي، بعد أن قامت بتأسيس الحركة الأوراسية الدولية من أجل تلك الغاية.

ما هي أوراسيا؟ بالأساس هي المناطق التي كانت خاضعة للإتحاد السوفييتي السابق. يعتقد دوغين أن الاتحاد السوفييتي قام بالسيطرة على حدود الإتحاد التاريخي للشعوب والأعراق التي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية. وكما أن روسيا بلد ذو ثقافة ومصير متفرد فإن عليها أن تنشيء مركز للقوة يجمع عناصر من كل من آسيا وأوروبا معًا. 

لا يعرف الغرب سوى القليل أو ربما لا شيء على الإطلاق حول تاريخ روسيا الحقيقي. في وقت ما كان يُعتقد أن الاتحاد السوفييتي كاد مجرد كيان شيوعي مؤلف من دول كأوكرانيا وكازاخستان وأذربيجان التي كانت دول مستقلة قبل قيام الثورة البلشفية وإجبارهم على الانضمام إلى الاتحاد السوفييتي. ويضيف: لم يكن لهذه الدول في الواقع كيانات سياسية أو تاريخية بل كانت مقاطعات إدارية تابعة للإمبراطورية الروسية واستمر الحال بها دون تغيير داخل الاتحاد. ولم يتم إنشاء هذه الدول داخل حدودها الحالية المصطنعة إلّا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكنتيجة لهذا التفكك.”

لذا فإن الهدف من إنشاء الاتحاد الأوراسي سيكون أساسًا لتصحيح الأخطاء التاريخية وإعادة الألق للإمبراطورية الناجحة التي كانت موجودة حتى قبل تشكل الاتحاد السوفييتي. ولا يعدو استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم وإعادة ترتيب الوضع في أوكرانيا إلّا أن يكون كجزء منطقي من هذه الخطة.

يحفر دوغين بالعمق أكثر في تحليله التاريخي المثير للجدل، مدّعيًا أن خصم أوراسيا ليس الولايات المتحدة فقط لكنالأطلسيةأو ذلك التعاون القائم بين ضفتي الأطلسي المتمثل في أوربا الغربية وأمريكا وكندا، هذه الدول البحرية ذات القيم الليبرالية الفردية وقوى السوق. “الأوراسية، من جهة أُخرى، تمثل المدرسة الفلسفية المحافظةالقاراتيةغير الساحلية، والتيوفقًا للأوراسيينتمتلك ضمن قيمها البنية الهرمية، والقانون والنظام، والتدين والنزعة التقليدية. وهكذا لدينا الأطلسي مقابل الأوراسي.
في الواقع، يرى دوغين أننا يمكن أن ننظر إلى التاريخ كمعركة مستمرة بين الأمم الساحلية والأمم القاريّة.

ما رأي دوغين بفوز ترامب؟ كان من المتحمسين له طوال فترة الدورة الانتخابية. على أقل تقدير، لقد وصفهكحساسيةتقف بوجه نخب العولمة.

إنه [دونالد ترامب] صلب، وخشن، ويقول ما يفكر به، ووقح، وعاطفي وعلى ما يبدو صريح. حقيقة أنه ملياردير لا تهم. إنه مختلف. هو أمريكي عادي ناجح جدًا.

يعتقد دوغين أن فوز ترامب يعد ضربة كبيرةللعولمةالتي تمثل مصالحها المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتونمستخدمًا نفس اللغة التي يمكنك تمييزها بسهولة في المواقع الأمريكية المحافظة مثل Breitbart News ، و Drudge Report (تقرير الكادحين) والإذاعي المثير للجدل كينج أليكس جونز (المفضل عند دوغين). يعتبر دوغين أن فوز ترامب هوثورةبدأها الشعب الأمريكي ويجب أن تؤدي إلى هزيمة العولمة وتجفيف مستنقعاتها حول العالم.

ولا يقف عند هذا الحد بل رؤيته لفوز ترامب تصل إلى حد توقع انهيار مروّع للحضارة. 

نحن بحاجة للعود إلى البدايات. إلى الأصل، إلى الأنطولوجيا الأصلية (نظرية الوجود عند مارتن هايدغر)، إلى المحرّم، إلى عصور وسطى جديدةوبالتالي إلى الإمبراطورية والدين ومؤسسات المجتمع التقليدي (التسلسل الهرمي، العبادة، سيطرة الروحانية على المادية إلخ…). كل مكونات الحداثة شيطانية ومنحطة، لا شيء فيها له قيمة، يجب إزالتها تمامًا. الحداثة خاطئة بالمطلقالعلم، والقيم، والفلسفة، والفن، والمجتمع، الوسائط والأنماط، والحقائق”. وفهم الكينونة والوقت والفضاء. كلها ميتة مع الحداثة. لذا يجب أن تنتهي. ونحن في طريقنا لوقفها.”

لن تكون المرة الأولى في تاريخ الفكر الروسي اعتبار أن كل شيء خاطيء وأن العالم يحتاج إلى اجتثات بالكامل. نحن نعرف نتائج هذه الأفكار. إن عنصر الماورائيات الغامض في بعض كلام دوغين إضافة إلى شكل لحيته يحيلان إلى نوع من التشابه بينه وبين راسبوتين. لكن هل يتخذ أي تدابير ملموسة من أجل تحقيق رؤيته عن العالم؟

من المثير للاهتمام، وقبل فوز ترامب، أن بعض المواقع الأمريكية المحافظة والمؤثرة مثل ناشيونال ريفيو قد حذرت من نوايا روسيا، مشيرةً بالتحديد إلى التهديد الذي تشكله إيديولوجية دوغين عبرالأوراسيةوالطوائف الشيطانية”. لكنها الآن وبعد فوز ترامب وبعد التقارير عن تورط روسيا في الانتخابات الأمريكية لم تعد هذه المواقع حريصة على متابعة الحديث عن الأمر.

هل يستمع بوتين له؟ يقول الدارسون والمعلقون بأن أفكاره تؤخذ على محمل الجد من الناس المحيطين بالرئيس الروسي وأن شعبيته تتزايد بالتوازي مع تعاظم اجراءات بوتين الإستبدادية. يجدر بالذكر أن دوغين دعم عملية القوات الروسية عام 2008 للإستيلاء على جورجيا وأنه ساعد على تأجيج حدة النزاع بين روسيا وأوكرانيا عام 2014 داعيًا إلى ذبح الأوكرانيين وضم أراضيهم التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية.

لمعرفة الطروحات التي يدعو إليها الرجل، يمكننا الإطلاع على كتابه ذائع الصيتأسس الجغرافيا السياسيةالصادر عام 1997 والذي حقق نجاحًا بين الأوساط العسكرية الروسية، وفقًا للفورين بوليسي (كلمات دوغين هي الرابحة) وقد اعتمد الكتاب في الجامعات العسكرية الروسية.

يقدم الكتاب رؤية لروسيا في القرن الواحد والعشرين التي من شأنها تشكيل الاتحاد الأوراسي، ويتضمن أيضًا استراتيجيات محددة لهزيمة أو تحييد الولايات المتحدة الأمريكية. منها زعزعة استقرارها وحملات التضليل عبر قوات روسية خاصة والحرب غير المتكافئة، وكسر التحالفات بين أمريكا ودول كألمانيا وفرنسا إضافة لإيجاد شرخ داخل المجتمع الأمريكي وبالتحديد عبر الانقسام العرقي. في الصفحة 367 من الإصدار الأول للكتاب يشرح دوغين: 

من المهم بشكل خاص إدخال الإضطراب الجيوسياسي في الداخل الأمريكي وتشجيع كل أنواع الصراعات العرقية والاجتماعية والانفصالية بالإضافة لدعم الحركات المتطرفة والعنصرية والجماعات الطائفية وبالتالي زعزعة الاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية وسيكون من المنطقي في آن دعم النزعة الانعزالية في السياسة الأمريكية.”

بعد الاستقطاب الحاد على أثر الانتخابات الأمريكية، وكل المشاكل المذكور أعلاه بالإضافة. لابد من تحقيق أكثر تعمق حول التغلغل الروسي داخل المؤسسات. من الصعب المرور بشكل عابر على أفكار دوغين وعدم أخذها على محمل الجد.

بعد فوز دونالد ترامب خفّض دوغين من نبرته تجاه أمريكا التي وصفها سابقًا بالعدو الأول. أضف إلى بعض التقارير التي تتحدث عن فتور علاقته مؤخرًا مع بوتين بعد وصفهه لهبالبطيء جدًافي تنفيذ رؤيته حول العالم. لكن وبالنظر إلى الوقائع على الأرض فمن الممكن استنتاج أن بوتين لازال يلعب على فكرة الأوراسية تلك، لعبة طويلة ربما ولن تنتهي فقط عند تسريبات البريد الإلكتروني المحرجة عبر ويكيليكس وخصوصًا في ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في موقع ضعف وتبحث عن فلسفة توحدها وتساعدها على المتابعة.

هذه ورقة وضعها جون ب. دونلوب لصالح مؤسسة هوفر حول دوغين وكتابه
وإن كنت تقرأ الروسية فيمكنك قراءة الكتاب من هنا

المراجع   [ + ]

1.غريغوري  راسبوتين – انظر في ويكيبيديا

عن Paul Ratner

كاتب وصانع أفلام. حاصل على العديد من الجوائز السينمائية حول العالم. أنهى مؤخرًا فيلم وثائقي عن الفلسفة والعلوم المتطرفة والتاريخ النووي. لديه ميل للتاريخ والعلوم والفلسفة والصور النادرة.