الصفحة الرئيسية / نصوص / رأي / السريانية والقرآن

السريانية والقرآن

credit:

hmmlorientalia

لا وجود للغة مستقلة تمامًا ومنفصلة لم تتأثر بما هو قبلها جغرافيًّا وزمنيًا كما بما هو محيط بها من لغات ومن حضارات، في أساس نشوء الأصوات الأولى لابدّ من الاحتكاك والتجريب الطويل لأجل تحويلها إلى أصوات معرفيّة تحمل معنى جماعيّ. هنا محاولة للبحث البسيط عن أثر اللغة السريانية والآرامية على اللغة العربية عمومًا وعلى كتاب المسلمين “القرآن” خصوصًا، هذا لأنّ الأثر السرياني والآرامي في لغة القرآن أكيد علميًا طالما هو أكيد في العربيّة ولا خلاف هنا لدى معظم الفِرق، لكنّ الحساسيّة الدينية قد تعمل مرات على التشكيك بهذا القول، ولربما يستند المعارضون -وهم دينيّون في معظمهم- للعديد من الأفكار والآيات كالمثال الآتي من القرآن في سورة يونس الآية رقم /26/: “لقد أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلّكم تعقلون”.



المداخل:

1- السريان والسريانية.
2- أصول العربيّة.
3- لغة القرآن.



أولًا: السريان والسريانية

انتشرت اللغة السريانية في قلب الجزيرة العربيّة وجنوبها وعلى الساحل الغربي للخليج، هي لغة سامية مشتقة من اللغة الآرامية، ويعتبرها علماء اللغة تطورًا طبيعيًا للآرامية وحتى يوحدون بينهما، تبلورت ونشأت أسسها في الألف الأول قبل الميلاد، حتى تحولت تدريجيًا في القرن الميلادي السادس لتصبح وحدها لغة منطقة الهلال الخصيب، وهي التي تحمل أهمية خاصة جدًا في الديانة المسيحية، من جهة لأن المسيح يسوع قد تكلّم بأصولها الآرامية، ثمّ لأن العديد من كتابات آباء المسيحية ومبشريها قد كتب وحفظ بالسريانية، كما حتى أن بعض الكنائس التي تتبع الطقوس السريانية والآشورية والكلدانية ما زالت تستخدمها حتّى الآن وتفرضها على مريديها.

السريانية كما اللغات السامية تكتب من اليمين لليسار ومن الأعلى للأسفل.
اللغة السُريانية:


بالسريانية الشرقية: ܠܸܫܵܢܵܐ ܣܘܼܪܝܵܝܵܐ ، وتلفظ: لِشانا سُريايا.
بالسريانية الغربية: ܠܶܫܳܢܳܐ ܣܽܪܝܳܝܳܐ ، وتلفظ: لِشونو سُريويو.



وتمتلك اللغة السريانيّة كباقي اللغات السامية الأخرى أحرفاً متعدّدة وعددها 25 حرفاً، ثلاثة منها هي حروف علّة في حين أنّ باقي الأحرف هي حروف صامتة، تتميّز هذه اللغة بإمكانية إخراج أصوات أخرى إضافية وذلك يكون عن طريق إمّا إضافة نقطة تحت الحرف؛ حيث يدلّ ذلك على ترقيق الحرف، أو إضافة نقطة فوق الحرف ممّا يدل على تقسية الحرف. وهناك ثلاثة خطوط من الخطوط الرئيسيّة التي تكتب فيها اللغة السريانية والتي منها الأسطرنجيلي والسرطو والمندحايا.

الحرف العربيابجدهوزحطيكلمنسعفصقرشت
الحرف السرياني الشرقيܐܒܓܕܗܘܙܚܛܝܟܟܠܡܢܢܣܥܦܨܩܪܫܬ
الحرف السرياني الغربيܐܒܓܕܗܘܙܚܛܝܟܟܠܡܢܢܣܥܦܨܩܪܫܬ
اللفظ (شرقي\غربي)ألاپ
أولَف
بيت
بيث
گامَل
گومَل
دالَت
دولَث
هيواوزَينخيت
حيث
طيت
طيث
يود
يوذ
کاپ
كوف
لامَد
لومَد
ميمنونسِمكت
سِمکث
أَي
عَين
پي
في1
صادي
صودي
قوپ
قوف
ريششينتاو

ظهور السريان والسريانية
الكتابة:
كانت بلاد الرافدين من البلدان الأولية التي استخدمت الكتابة المسماة بالمسمارية والشعب السومري الذي أوجدها لأول مرة ومن ثم أخذتها الشعوب السامية بدءا بالأكادية ومن ثم البابلية والآشورية، حتى استخدمت من قبل الشعب الإيبلي ومن ثم الكنعاني بعد إدخال تعديل كبير عليها حيث استخدمت ككتابة ألف بائية، أي لم يسيروا على منوال البابليين والآشوريين.

ثمة هناك إنقطاع حصل نتيجة زوال تلك الطبقة الخاصة من الكتاب بالقلم المسماري نظرا لفقدان السلطة السياسية بعد سقوط نينوى 612 وبابل 538 قبل الميلاد وخاصة عندما دخل استخدام الكتابة الآرامية التي في الأصل كانت سينائية كنعانية.

عدا أن كل شعوب الهلال الخصيب كانت تشدهم القربى بإنتمائهم الى السامية، إذ كل هذه العوامل ساعدت أن توجد مجتمعا سريانيا جديدا والمتكون من مجموعة  الشعوب القديمة من آشورية بابلية، كنعانية فينيقية، إبلية عمورية، كلدانية وآرامية.

ولما كانت الديانة الجديدة من مصدر سوري، والتسمية السورية التي ترقى أصولها إلى الآشوريين ولكن غدت في عصور لاحقة وخاصة في عهود اليونان والرومان كتسمية عامة للمنطقة، ولكن هذا لا يعني أن هذه الشعوب غدت آشورية بمجرد تبنيها ” الآشورية ” كتسمية جغرافية، إذ نرى الشعوب المذكورة قد احتفظوا بخصائصهم القومية ولهذا السبب المجتمع السرياني الجديد هذا لم يكن سياسيًا، بل دينيًا جلّ همه كان نشر المسيحية وهذا ما نجح فيه في البداية ولكن بعد ظهور الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي وما بعده الوضع تغير تغييرا جذريا ممّا دعا المورخ البريطاني أرنولد جي توينبي للقول(1)A. J. Toynbee, Vol V, page 127:

” وإذ اجتاح الإسلام هذه الأصقاع عصف بها حتى لم يبق منها الى اليوم إلا صور متحجرة لمجتمع سرياني منقرض “

  أما الدكتور شوقي ضيف فقد قال(2)تاريخ الأدب العربي ، العصر الجاهلي – دار المعارف بمصر 1960 صفحة 25:

” وقد ظلت السريانية بلهجاتها المختلفة لغة حية في الشرق الأوسط إلى أن جاء الإسلام فقضت عليها وعلى لهجاتها لغة القرآن، وإن ظلت معروفة في بعض البيئات. “

تاريخيًا وخصوصًا بعد إماطة اللثام عن آثار نينوى، آشور، كالح ، وتل الليلان ودور كتلامو وإيبلا في سوريا، وبابل وأور وأكاد وغيرها من المواقع يتبين أنه كان للآشوريين دور كبير ورئيسي في حضارة المنطقة وتطور شعوبها ولغاتها.

فولوس غبريال أستاذ الدراسات السامية يقول عن اللغة السريانية(3)الآداب السريانية، الجزء الاول – العصور الأولى 1969 صفحة 17:

” اللغة السريانية لهجة من اللهجات الآرامية التي تصعد أصولها الى البابلية/ الآشورية القديمة والأكادية .. “

أما العلامة ابراهيم كبرائيل صومي يقول في كتابه باللغة العربية والمنقول من كتابه باللغة السريانية – ܡܪܕܘܬܐ ܕܣܘܪܝܝܐ ومن تأليفه أيضًا ما يلي:

” ولهذه الأسباب وغيرها، فإن كثيرين من علماء السريان وكتابهم من شرقيين وغربيين، أمثال ابن علي، وحسن بن بهلول، وإبن الصليبي، وإبن العبري، قد ادلوا سهوًا بالبينات الغير حقيقية عن أصل السريان وعناصرهم، أو عن الشعوب والقبائل التي من اتحادها وامتزاجها، على مدى الأزمنة والعصور، تكونت الأمة السريانية، وكيفية تسميتها هذه، لإعتمادهم واتكالهم على معلومات المصادر اليهودية واليونانية التي لم تخل من التعقيد والتشويش.

ومن المعلوم بأن الأئمة والكتبة السريان، قد خلطوا بين شخصية سوروس الفارسي وبين شخصية أحد ملوك اليونان الذي بنى مدينة انطاكية (4) راجع مقدمة كتاب دليل الراغبين في لغة الآراميين للقس يعقوب اوجين منا ألا أن البطريرك ميخائيل الكبير، قد خالف رأيهم هذا، في مقدمة كتابه عن تاريخ العالم. حيث بين عن لسان التلمحري قائلا: بان السريان هم حقا حفدة الآشوريين الذين من ملوكهم كان سركون وسنحاريب وأسرحدون وآشور بني بال، المذكورين في الكتاب المقدس.

ثانيًا: اللغة العربية والسريانية

إن لغة العرب وثقافتهم ماهي بالحقيقة إلاّ شكل جديد للغة والثقافة السريانية، مثلما كانت السريانية شكلاً جديداً للغة والثقافة الآرامية.
منذ القدم وقبل الفتح العربي الإسلامي كانت الآرامية ثم السريانية تضخ بمعارفها في القبائل العربية من خلال التجارة والامتزاج العرقي والحضاري بين العرب والسريان. أما بعد الفتح العربي لمنطقة المشرق، فإن الثقافة العربية بدأت تتخذ طابعها الحضاري العربي الإسلامي المعروف بفضل اعتناق الأغلبية الساحقة من السريان الإسلام وتبنيهم للعروبة، وبالتالي ضخَّهم في العربية جميع ماورثوه من حضارات أسلافهم السومريين والبابليين والآشوريين والفينيقيين والآراميين. حتى السريان الذين بقوا على المسيحية والصابئية والمانوية لعبوا دوراً كبيراً في نقل علوم الأسلاف وترجمة علوم الإغريق إلى العربية. من السريانية النبطية، أيضاً اشتق الخط العربي وكذلك قواعد النحو العربي.

معلومات لغوية عن السريانية:
إن الاختلافات اللغوية في الآرامية موجودة منذ بدايات انتشارها في العراق والشام، في الألف الأول ق. م. حيث انقسمت منذ البداية الى (آرامية شرقية عراقية) و(آرامية غربية شامية)، وبينها اختلافات ثانوية في الكتابة والتلافظ، ولكنَّ هذه الاختلافات تعمقت مع السريانية المسيحية، وتعمق الخلاف بين أتباع كنيسة النساطرة العراقية وكنيسة اليعاقبة الشامية، ونلمس ذلك جلياً واضحاً في مدرستَي الرها ونصيبين.
قال البرتوس بن مركس في كتابه (نحاة السريان) الكتاب في نحو اللغة الآرامية والسريانية والكلدانية وصرفها وشعرها:

ان أوّل مَن كتب في نحو السريانية يوسف الأهوازي، توفي سنة 580، أستاذ مدرسة نصيبين. وكان الطلاَّب قبله يتعلَّمون اللغة ويُحكمونها بالنقل والتقليد والمطالعة الكثيرة.



يعقوب الرهاوي، المتوفى 708، وقيل 710، اشتغل بآداب اللغة السريانيّة وألّف فيها كتاباً كان عمدة وسنداً يُرجع اليه. وأشهر نحاة السريان يشوع دناح المتوفى في القرن الثامن وحنين بن اسحاق 873 والياس الطيرهالي 1049 وقد نهج في اللغة السريانية منهج نحاة العرب وغيرهم.

وقال صاحب (اللباب)(5)تأليف القس جبرائيل القرداحي الحلبي اللبناني، المطبعة الكاثوليكية بيروت 1887، المقدَّمة:

إن الحروف الهجائية في اللغة الساميّة تُبدل من حروف أخرى وتبدأ بالساكن، وصيغة الجمع تتبع الفعل إذا أُسند الى فاعل جمعٍ بخلاف العربيّة


مقارنة الضمائر المنفصلة في اللغات السامية:

العربيةالآراميةالعبريةالبابلية
أنااناانياناكو
أنتانتاتات
هوهوهوشو
هيهيهيشي
نحنانحاننحن / انحنانينو
أنتماتفاتماتونو
أنتناتناتناتينا
همهنونهم / هماشونو
هنهننهينا / هنشينا


من خصائص السريانية:


ليس للّسان السرياني أداة تعريف للاسماء، له أداة خصوصيّة لإضافة الاسم الى اسم آخر، وهي الدال تدخل على المضاف اليه. ميم الجمع تُقلب فيه الى نون، الحركة التي لا يعقبها مدّ أو حرف مشدَّد أو حرف ساكن تسقط دائماً في اللفظ السرياني إلاَّ إذا أوجب إبقاءَها صعوبة.
الاسم المفرد وجمع المؤنث السالم إذا لم يلحق بهما شيء يطلق آخرهما بالألف.
النون في بعض الأسماء الأوَّليّة تُقلب الى راء.
 هناك صيغتان فُقدتا من اللغات السامية وبقيتا في اللغة السريانية وهما سفعل وشفعل.
آخر الاسم (آ) وهو أداة التعريف. (الكتاب : خْثوبا). (الخبز: لِحْما.
في صيغة المستقبل  يبتدئ الفعل بالنون مثل: سأقتل: نْكوتيل.
تغيير الحركات في وسط الكلمات، وبتغير الحركات يتغير المعنى.
أصول الكلمات في السريانية ثلاثية كما في اللغات السامية، وهي الفاء والعين واللام، وما عداها زائد.

الأبجدية السريانية:
في الكتابة السريانية 22 حرفاً تكتب من اليمين الى اليسار وتجمع بالعبارات الآتية:
أبجد ، هوز ، خطي ، كلمن ، سعيص ، قرشت.

وجميع الحروف السريانية تقبل الاتصال بالحرف الذي قبلها، وثمانية حروف تدعى بالواقفة لا تقبل الاتصال بما بعدها. والسريانية على لهجتين : الشرقية وهي الكلدانية والآثورية وتنتشر في العراق وايران وجبال كردستان، والغربية في سورية ولبنان. والفرق بين اللغتين – اللهجتين هو في نقاط بعض الحركات والحروف وفي رسم الخط ليس إلاّ. فالشرقية لها سبع حركات والغربية لها خمس حركات. ويلاحظ إن حروف الهجاء السريانية 22 حرفاً مثل الأحرف الفينيقية بينما نجد إن الحروف العربية 29 حرفاً وترتيبها يختلف عن ترتيب الأبجدية السريانية. ولدى السريان حروف مضاعفة يختلف فيها اللفظ حسب وقوعها في سياق الجملة. وهي الحروف التالية:
الباء وتلفظ باء أو (v) حسب وقوعها في الكلمة
التاء وتلفظ ثاء أحياناً
الجيم وتلفظ بالجيم المصرية أو بلفظ الغاء
الدال وتلفظ دالاً وذالاً
الحاء وتلفظ خاء في السريانية الشرقية
الكاف وتلفظ كافاً عربية وخاء

ولدى السريان الغربيين 5 حركات أساسية هي:
– الزقوفو: وتعادل حرف (O) الأجنبية
– الفتوحو: وتعادل الفتحة العربية
– الحبوصو: وتعادل حرف (I) الفرنسية
– الربوصو: وتعادل حرف (O) الفرنسي
– العصوصو: وتعادل لفظ (OU) الفرنسي.
مثال:

اسم الحركة

لفظها

ملاحظة على الحركة

ܦܬܳܚܳ

فتوحو

الفتحة

ܣܩܵܦܵ

سقوفو

الضمة المائلة إلى الفتح

ܪܒܳܨܳ

ربوصو

الكسرة المائلة إلى الفتح

ܥܨܳܨܳ

عصوصو

الضمة

ܚܒܳܨܳ

حبوصو

تقابل الكسرة باللغة العربية.


كلمات عربية ـ سريانية متشابهة:

لدى السريان الشرقيين 7  حركات. وبين السريانية والعربية تقارباً لغوياً يتوزع بين اللفظي، وعبر الأعداد، وفي الكلمات رغم تغيير حرف واحد بين اللغتين أحياناً وفي الألفاظ المتباعدة التي تمتلك رسوباتها في العربية .

هنالك ما لا يحصى من الكلمات المتشابهة بين اللغتين العربية والسريانية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هنا نسجل عينة بسيطة على سبيل المثال.
نماذج كلمات متشابهة بصورة غير مباشرة:
بعيرو = بهيمة
برتقالي = ليمونوا
حصان = سسيو (بالعربي ساس الخيل)
بقرة = تورتو(مؤنث ثور)

نماذج كلمات متطابقة:
وردي = وردنويو … ازرق = زرقو … ياقوتي = ياقوندويو … خمري = حمرونويو … شماس = شاموشو … قس = قاشو … حيوانات = حايوثو … مهر = مهرو … بغل = بغلو … حمار = حمورو … حمارة = حمرتو … ثور = تورو … عجل = عغلو أو ارونو … جاموس = جوموشو … جاموسة = جومشتو … جمل = جملو … تيس = تيشو … عنزة = عيزو … جدي = جذيو … كلب = كلبو … كلبة = كلبتو … ذئب = ديبو … قط = قاطو … هر = هارو أو ماطونو … ظبي = ظبيو … فيل = فيلو … نمر = نمرو … قرد = قردو … أرنب = أرنبو … الخلد = حلدو … حية = حيوو … قنفذ = قفدو … سوسة الارض = سوشو … جرو = قرطيسو أو جريو … مثلث = مثلثو … مربع = مربعو … قطر الدائرة = قطرو … زاوية = زاويثو … حارة = حارثتو … محاسب = حشبونو … امي = عامويو (عامي بالعربي) … لغة / لسان = ليشونو … درب = دربو … سبيل = شبيلو … مدينة = مديثو … قرية = قريثو … مملكة = مملختو … سوق = شوقو … بئر = بيرو … السكة الحديدية = سكثو فرزولو … جسر = جشرو … طاحونة / رحة = رحيو.

ثالثًا: السريانية والقرآن:

الخلل يبدأ أساسًا في الافتراض الإيماني أنّ اللغة العربية هي لغة مستقلة كائناتية/كأنّها كائن مستقل، كما القول أنها لغة أهل الجنة مثلًا، ولئن كان البحث في آرامية وسريانية القرآن يسبقه البحث في آرامية وسريانية العربية، هو بكل الأحوال لا يلغي اللفظ العربي بمعناه المعاصر، يعني، أجل ما نستعمله اليوم هو عربية اليوم، والتي إن استعملنا أصولها السريانية لن تكون مفهومة معرفيًا في بعض المصطلحات، لكن هذا لا يلغيها بالسلب المطلق، وهي أيضًا ما زالت تظهر في اللهجات المحكية بشكل واضح.
لكن ربط قدسية القرآن وقدسية تنزيله وقدسية آياته باللغة العربية، جعل من هذه القضية أحد أهم المفاصل التي -حتى بعيدًا عن التعاطي الإلحادي- التي أسقطت جمهور الإسلام في حيرات دفعتهم لأن لا يجدوا مخرجًا منها إلا أن يعيدوا إثبات رأيهم بالقرآن نفسه، من مبدأ إثبات وجود الشيء بالشيء، يعني القرآن قال أنه عربي فهو حتمًا عربي، بهذه الطريقة.


الحجج في آيات القرآن التي تقول عن عربيّته:

1: و كذلك أنزلناه حكما عربيا، و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي و لا واق.
2: ولقد نعلم أنهم يقولون أنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين.
3: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
4: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين.
5: و كذلك أنزلناه قرآنا عربيا و صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا.
6: قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون.
7: كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى و من حولها و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة و فريق في السعير.
8: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
9: لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته، أعجمي و عربي، قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يومنون في ءاذانهم وقر و هو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد.
10: من قبله كتاب موسى أماما و رحمة، و هذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين.

يقول المؤرخ الألماني كريستوفر لوكسمبورج المختص باللغات السامية القديمة في موسوعته “القراءة السريانية للقرآن”: الطبيعة الشفاهية التي ولد فيها النص القرآني في الوقت الذي لم تكن في الجزيرة العربية إلا اللغة السريانية هي اللغة المكتوبة فهي الرحم المؤثر وقتها في الثقافة العربية وتحولها إلى لغة كتابية أو لغة مكتوبة.
كما يقول لوكسمبورغ أن للقرآن جذور سريانية ويجب  قراءة القرآن عبر اللغة التي ولد فيها، وهذا ما دفع الرسول محمد أن يحض أتباعه على تعلم اللغة السريانية.
كانت تأتي كتب إلى محمد وكلها مخطوطة بالسريانية ، وكان زيد من كتاب القرآن وكان محمد لا يثق بالأطلاع على الكتب السريانية التي يمتلكها الا زيداً . فالقرآن كتب باللغة السريانية وبالخط العربي الكوفي المستنبط من الخط السرياني . فأقدم النسخ القرآنية فهي المكتوبة بالخط الكوفي القديم الغير المنقط ، ونسخة ثاني مكتوبة بالخط الكوفي المائل وكلمة كوفة تعني المعوج او المائل . أي الخطان التي كتب بها القرآن هما كوفيان . فلأجل فهم القرآن فهماً صحيحاً يجب العودة الى لغته الأصلية وكتابته الأصلية الغير منقطة لأن التنقيط غير معنى الكلمة والنص .

هناك كلمات مكتوبة بالسريانية بالمعنى والخط فمثلاً كلمة “صلوة” تعني في السريانية “صلاواتا” أي صلوات، أما بالعربية فيجب أن تكتب صلوات.




البسملة “بسم الله الرحمن الرحيم” فكلمة بسم فهي سريانية تكتب “بشمَ” والشين في العربية تصبح سين. أما كتابتها في العربية فيجب أن تكتب باسم وليس بسم .

كلمة القرآن سريانية أيضاً وتستعمل لحد اليوم في الكنائس وتقرأ ” قريانَ” بفتح النون، والحرف آ دخل مع النقاط والحركات التي استحدثت بأمر الخليفة عثمان بن عفان الذي أسماه محمد بحبر الأمة. أمرعثمان زيد بن ثابت الذي كتب القرآن القديم بنسخته الأصلية بكتابة القرآن من جديد وعيّن معه ثلاث أشخاص من قريش لكي يساعدوا زيد في الكتابة أما النسخ القديمة فأمر بحرقها. فلم يبقى شىْ من النسخ الأصلية التي كانت تعود الى القرن السابع الميلادي، فأقدم نسخة الآن تعود الى القرن الثامن. كما ذكرت مجلة الحكمة الصادرة في القدس بأن هناك نسخة قرآنية مدونة باللغة السريانية. هناك كلمات أعجمية كثيرة في القرآن وهذا ما يعتبره البعض طعناً بنصوص القرآن التي ذكرت بأكثر من موضع بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين (الشعراء 195) وكذلك سورة يونس 26، لقد أنزلناه قرآناً عربياً لعلهم يعقلون.

ويعتقد بأن هذه الآية أضيفت بعد جمع القرآن من قبل عثمان لأجل الغاء دور اللغة السريانية وأثرها في لغة العرب وعلى الإسلام كي يثبتوا بأن اللغة العربية كاملة.

الدكتور “كامل النجار” في موقع “كتابات” يقول أن القرآن فيه أخطاء نحوية كثيرة وقد اعتمد السّجع في آياته ولكن في كثير من الأوقات نرى السجع غير صحيح أو غير طبيعي، كما يضيف الدكتور أن في القرآن كلمات غريبة لا معنى لها ولا يستطيع أحد من المفسرين أن يشرحها أو يعطي معناها وهناك كلمات  لم تكن موجودة في اللغة العربية أو ليست كلمات عربية.

أمثلة:
– في سورة التين الآية الثانية: والتين والزيتون (وطور) سنين، طور ليست عربية سريانيه آراميه ومن كلمة طورو أو جبل.
– فرقان وفرقاناً والفرقان في كثير من الآيات وهناك سوره كامله تحت أسم الفرقان، اللفظة أتت من كلمة “فارقليت” السريانية التي يقصد بها الروح القدس.
وكذلك في السريانيه فرقونو بمعنى خلاص أو نجاة .
– قرآن: وتعني الفصل.
– الله: آلها أو الوهو.




ثمّ كيف يكون القرآن كله عربياً والعربية لم تكن متكاملة في زمن صدور الأسلام؟ يحتوي القرآن على كلمات من لغات كثيرة ومنها: السريانية، الفارسية، العبرية، اليونانية، الحبشية، القبطية وغيرها.




بيئة الإسلام:

إذا ما تعرّفنا بشكل جيّد على البيئة التي نشأ فيها الإسلام، هذه البيئة التي وُلد فيها كتاب المُسلمين المقدّس “القرآن”، سنجد التأثير الأبلغ للغة السريانيّة، وخصوصاً مع انتشار المذاهب المسيحيّة السريانيّة في تلك البيئة، كاليعقوبيّة (المونوفيزيّة) والنسطوريّة (الديوفيزية)، ناهيك عن مذاهب أخرى متأثرة بسريانيّة فلسطين المُستعملة في ذلك العصر (منحرفة جدّاً كالنصرانيّة التي كان يؤمن بها القسّ ورقة بن نوفل وأتباعه القريبة جداً من الأبيونيّة، أو فلنقل التجسيد العربي لمذهب الأبيونيّين). تمَّ بالنظر إلى السريان وإلى ما يتعلق بخصوصيّات الكتاب المقدّس لديهم. يبدو لي أيضاً أن من الواجب هنا الكلام عن كلمة “القرآن” لاتّصالها الوثيق بما نحن بصدده.

لفظة “القرآن”:
واسم “القرآن” هو كلمة عبرية سريانية كان يطلقها أهل الكتاب على الكتاب المقدس كله (انظر نبؤة نحميا 8/5 في النص العبراني)، يقولون في العبرية “قـراه” أو “مقرا” وفي السـريانية “قُرْيانا”. وإلى الآن لم يزل النصارى في صلواتهم يستفتحون تلاوة التوراة والأنبياء بهذا الإعلان: “قراءَة من سفر التكوين أو من نبوءَة أشعيا، أو من حكمة سليمان”. فدرج القرآن الكريم على العادة كما وجدها في بيئته الكتابية، فسمى “قراءَة” الكتاب على العرب “قرآنا”، واللفظتان من أصل واحد في العبرية والسريانية والعربية”.

خطّ القرآن:
أما بالنسبة الى الخط العربي المعتاد حتى الآن في القرآن فقد أشتق من الخط النبطي المتأخر والمشتق من الخط الآرامي السرياني ، فصورة الخط العربي الذي به دونت المصاحف القديمة لا تبتعد عن صورة الخطوط السريانية أو النبطية والأثنان مشتقة من الآرامية ، ولم يتحرر الخط العربي من تلك الهيئة الآرامية المتمثلة بخطوط ربوع الفرات الأوسط حيث الحيرة والأنبار ثم الى دومة الجندل ومنها أنتقل الى المدينة والمكة.

…………..
المصادر:
تاريخ اللغات السامية، أ. ولفنسون.
كتاب فتوح البلدان، البلاذري. دار الكتب العلمية.
كما تمت الاستعانة بالمواقع الآرامية والسريانية التالية:
– 
تللسقف  tellskuf
– مانكيش mangish
– ميزوبوتاميا mesopot
– آراميك aramaic-dem

المراجع   [ + ]

1.A. J. Toynbee, Vol V, page 127
2.تاريخ الأدب العربي ، العصر الجاهلي – دار المعارف بمصر 1960 صفحة 25
3.الآداب السريانية، الجزء الاول – العصور الأولى 1969 صفحة 17
4. راجع مقدمة كتاب دليل الراغبين في لغة الآراميين للقس يعقوب اوجين منا
5.تأليف القس جبرائيل القرداحي الحلبي اللبناني، المطبعة الكاثوليكية بيروت 1887، المقدَّمة

عن يعقوب خضر

يعقوب خضر
كاتب سوري