الصفحة الرئيسية / تجريب / كالدهشة الأولى

كالدهشة الأولى

مقطع من تشكيل، فرانك أورباخ

ـ كيفَ نبدو حمقى جميعاً عندما نختبئُ قليلاً في الظل، كيفَ نبدو مُغفلينَ بِغيابٍ واحد، كيفَ نُحدِقُ بِغباءٍ ليلاً نهاراً بِمشنقةٍ تغيرَ لونُها الخامْ، كيفَ نُحاولُ التقاطَ ما تبقى منها بِسذاجةٍ مُتناسينَ أن وجودَ المشنقة، لا أهميةَ لِألوانها بعدَ الآن.

ـ كيفَ نُحاولُ الظهورَ بِشكلٍ مألوفٍ دوماً، لعلى هذهِ الوجوهَ التي نتقمصُها كُلَّ مرةٍ نُنصِتُ بها لِرئتينِ تعيشانِ نفسَ الموتِ في ضِفةٍ أُخرى من هذهِ الطريقُ التي أُتخمتْ بِنا، علها تُنسي كُلَّ هذهِ الجُدرانَ وظيفةَ حصارنا، كيفَ نفشلُ دوماً بنسيانِ كُلَّ هذا العُشب الذي ينمو كُلَّ مرةٍ في زوايا البيت، كيفَ نسقُطُ دوماً بِأن نحصي عددَ أيامِ الغياب، كيفَ بِسذاجةِ جهلٍ نرتجِلُ ساعاتِ مُتعةٍ مُزيفة, بِمنطقٍ غبي.

ـ لا أحد هُنا بِمقدرةٍ على شقِّ البحرِ لِأتمكنَ من ملوحتهِ ساخراً، لا وجودَ لِثقةٍ تنفي وجودَ هُمودٍ ينتَظِرُنا، تبدو بهذا كُلَّ قطرةٍ مالحة تُذرفُ كَبحرٍ مُمتلئ بِالأسماكِ المقتولة، كما يُقتَلُ عِناقُ حُلمْ.
“الإنصاتُ بِإحكامٍ مُطبق لِكُلِّ ضَحكِ المجهولينَ حولَ جُحرٍ اعتادَ موتاً بطيئاً كُلَّ يوم، كَمُحاولةٍ لِإعادةِ طبيعيّةُ العيشِ في نادرِ الوقت”

*
ـ الأمرُ كالإستلقاءِ والنظرُ لدورانِ السماءِ حولنا، مُحاصرتِها كُلَّ شيءٍ بِإحكام، بِإلتفافٍ سلسٍ لايُشبِهُ سوى عُنفِ عناقٍ أخيرٍ لم يحدث, كإعادةُ تفاصيلَ ندبةٍ إلى الفراغ كُلَّ مرة، كَمُحاولةُ إعادةَ تفاصيلَ ندبةٍ إلى الفراغ، كفشلِ مِشنقةً بالتمسُّكِ بوتدها الخشبي، بِفشلِها بِمُنقذٍ مِنَ الرميِّ بعيداً.
ـ كَضوءُ غُرفةٍ مُهترئ، وغداً يسكُنُ خلفَ جِدارٍ حُفِرَ عليهِ فشلَ جيشاً من الأيامِ بِدفء جبهةِ يومٍ واحد، ليست مُهمةٌ هُنا كُلَّ مُعسكرات الدفاعِ وكتائِبَ وحدةٍ تكاثرت وابتكرت بِنفسِها تكتيكاً لِلبقاء، ليسَ مُهماً كُلَّ ما قد يستغرِقُ تفصيلُ رعشةِ موسيقى، ليسَ مُهماً حجمُ الوقت الذي تستَهلِكهُ المِشنقةُ لِخَنقِ كُلَّ يومٍ لم تظهرُ الشمسُ بهِ بِشكلها الذي أراهُ منذُ مسكتُ كفَّ أبي لِأقطعَ الشارِعَ نصفينِ وأبدو، بِنظري، بطلاً خارقاً، خارجاً عن المألوف.
ـ الوغدُ الذي خربَ ضوءَ غُرفتي، بِحسبِ العادة يُسمى “نور”، لديهِ هواجِسَهُ التي كدسها بِإنتحار رَجُلٍ سخيف.

*
ـ ليسَ الأمرُ بِسهولةِ صُنعِ كأسِ شرابٍ كُلَّ ليلة، فقط تُغرِقهُ بِالقليلِ من الماء، وتُعيدَ كُلَّ رشفةً كُلَّ دقيقةً حدثتْ ووُلِدتْ أُمنيةٌ بِألّا تنتهي، تناولتها حينها كَضِفةٍ هَوتْ أن يستمرَّ عيشُها طويلاً وسطَ هذهِ العاصفة.

*
ـ هوَ موتٌ واحدٌ نعيشُ فيهِ ونُجرِب أن ننجو منه، كُلَّ مرةٍ نسقُطُ فيها ونُحاولُ صُنعَ ضجيجٍ ما لِملءِ اليوم، كُلَّ مرةٍ نهربُ فيها من صخبِ الهدوء ونصنعُ صوتاً مهما كانَ قِبحُهُ يبقى يُسيطِرُ على إنقاذٍ نُناجيه، نَصرُخُ بِهدوء ونبكي بِدويِّ كُلَّ الذينَ غابوا، نضحَكُ بِصمتٍ خوفاً من كسرِ زُجاجَ التفكيرِ المُمل، لينتهي كُلَّ ضجيجٍ وهدوءٍ حينها.
هوَ موتٌ واحدٌ نسخرُ من غبائِهِ دوماً، نُهوى أن نكسِرَ خوفاً بالسُخرية، نُحِبُ أن نصنعَ نُكتةً على خوفٍ يبتلِعُ كُلَّ يومٍ بِشرهة، يَقذفُ بِراحةٍ سنواتٍ بعيداً عن بصرنا، لِتبقى دوماً كلَّ الجفونِ مُغلقةُ ورطبة، لونها الأسودَ القاتم أكثرَ هدوءاً من لونِ الضبابِ الرمادي.
ـ هوَ موتٌ واحدٌ الذي نعيشهُ وننجو منهُ كُلَّ يوم.

*
ـ سَأقِفُ يوماً وأبدو ضاحِكاً ساخِراً تحتَ كُلَّ هذهِ السماءُ، تحتَ كُلَّ هذا الغيمِ الذي يمنَعُ رؤيةَ شِرياناً ينبُضْ، سأقِفُ يوماً وأبدو ضاحِكاً بِبرودْ، كصقيعِ هذا الضبابِ الذي يمنَعُ شوقاً من إذابةَ جليدٍ صُلبٍ كالتمسُّكِ بِدفءِ راحةِ يدٍ لِلمرةِ الأخيرة.
ـ سأقِفُ يوماً وأرمي جُثتي بِبحرٍ ضيّق ودافئ، أدَعُها تتعلم السِباحةَ بِنفسها، بِغُرورٍ وأنانية، كبرقْ، يَصبُ ملءَ عُزلتِهِ وسطَ وعاءِ وحدةٍ آخر، بِأرضٍ تَحلُمُ بِقسوةٍ مرةً أُخرى.

*
ـ كيفَ نستطيعُ جميعاً، أن نأملُ كُلَّ يوم، أن نبني من حدقةُ عينٍ حُلُماً كاملاً، بِكاملِ دفءِ تفاصيله، بِكاملِ أحجارَهُ المُهترئة، التي بِبُعدِها بَنتْ دافعاً لِلعيشْ، لِلبقاءِ مُشاهداً أمراضاً تملأُ البيت، لِلبقاءِ مُستمعاً لِموسيقى تُعطى كَعلاجٍ بديل، لِفتح مجالاً أجملَ لِجموحِ الخيال.
ـ كيفَ نستطيعُ جميعاً أن نَستمرَّ بِحُلُمٍ مرةً، ونرويهِ بعدها، لِنُشاهِدهُ مرةً جديدة، لِنندَهِشَ كَالدهشةِ الأولى، فنرويهِ بعدها بِفمٍ ثملٍ مُتخمْ بالأمل، بِصوتٍ مُنتظر.

*
ـ أن يبقىْ حُلماً ينتظِرُ غياباً آخر، عِناقاً أخيراً لن يحدث.

عن حسين الماغوط

حسين الماغوط
كاتب من سوريا